الأحد 17 أكتوبر 2021 07:51 ص

 القرآن الكريم والعلوم السياسية

الغريب في أمر التنوير أنه شمل علماء الدين وطلاب الأزهر حتى أمام الأزهر!

إذا توقفنا عند العلوم السياسية نجد لها منهجا بالقرآن الكريم وكذلك علم النفس وعلم الإعلام! فلماذا هجر علماؤنا مناهج القرآن إلى مناهج الإلحاد؟!

كيف صدق أكاديميونا أن تسعة أعشار ثمن السلعة في الدعاية لها والإعلان عنها؟! كيف درسوا العلوم السياسية عبر نظريات مادية منحرفة أو حتى التحوط؟!

كيف لم يناقش علماؤنا هذه العلوم الغربية؟! ربما حاول بعضهم تعريبها أو ربطها بالإسلام لكنها تجربة لم يتحقق لها النجاح لسوء المنهج الغربي الذي اتبعوه أصلا!

علوم السياسة والنفس والإعلام ورغم تسميتها علوما لكنها لا تعدو دسائس لأنها تقتل المدنيات وتشوه الشخصية الوطنية وتقضي على التقاليد والعرف والعلاقات الأصيلة.

*     *     *

من كوارث عصر التنوير انسحاقنا وراء الغرب، خاصة المثقفين وأساتذة الجامعات، وهو ما جعلنا ننقل عن الغرب كل ما أظهروه لنا من فكرهم وعلمهم وأسلوب حياتهم وتعاملاتهم والعلاقات بين بعضهم البعض وبينهم والآخرين.

ومن أسوأ ما نقلناه عنهم بعض (المعارف) الظنية والافتراضية، حتى العلوم التضليلية، من بين هذه العلوم: العلوم السياسية وعلم النفس وعلم الإعلام، ورغم أنهم يسمونها علوما إلا أنها لا تعدو أن تكون دسائس، لأنها تقتل المدنيات وتشوه الشخصية الوطنية، وتقضي على التقاليد والعرف والعلاقات الأصيلة، بل إن الأسوأ هو قتلها للدين، وخاصة الإسلام.

كيف أن علماءنا لم يناقشوا هذه العلوم؟! ربما حاول البعض أن يمصرها أو يربط بينها وبين الدين، لكن تجربتهم لم يتحقق لها النجاح لسوء المنهج الذي اتبعوه لأنه منقول أيضا عن الغرب. كيف صدقوا أن الإنسان أصله قرد وصاروا يدرسونه في مقرراتهم؟! وكيف صدقوا أن تسعة أعشار ثمن السلعة في الدعاية لها والإعلان عنها؟! وكيف يدرسون العلوم السياسية من خلال النظريات المادية المنحرفة مثل الميكيافيلية أو حتى التحوط؟!

الغريب في أمر (التنوير) أنه شمل علماء الدين وطلاب الأزهر حتى أمام الأزهر!

إذا توقفنا مثلا عند العلوم السياسية نجد أن لها منهجا في القرآن الكريم، وكذلك علم النفس وعلم الإعلام! فلماذا هجر علماء الدين مناهج القرآن إلى مناهج الإلحاد؟!

منهج القرآن الكريم في علم السياسة مثلا وضع الله أساسه في فاتحة الكتاب المبين، هذه الفاتحة التي لا تخلو منها ركعة صلاة فرضا أو سنة، ولا يبدأ عمل جاد في أي شأن من الشئون إلا بها، فكم مر على علماء الدين وعلى الأساتذة وعلى الناس كافة من سورة الفاتحة، ولم يتفكروا مرة فيها!

لماذا سميت بالفاتحة؟ ولماذا وضعت أول كل قول أو عمل جاء؟ لقد جعل الله تعالى أول الفاتحة أن يكون باسمه: بسم الله الرحمن الرحيم مكررا ثلاث مرات؟

ولم أردف سبحانه وتعالى اسمه بالحمد لله رب العالمين؟ لم الحمد ولم التذكير برب العالمين، ثم أردف بسم مطلوب ومحبوب: الرحمن الرحيم؟ ولم أردف بالأشارة إلى ملكيته يوم الدين؟ ولم طلب الإقرار من الناس بعبادته والاستعانة به؟ ولم أردف بكيفية الدعاء وهو طلب أمر واحد وهو الهداية إلى الطريق المستقيم؟

ثم بين بوضوح أنه طريق الذين أنعم عليهم وليس طريق المغضوب عليهم ولا الضالين؟ والإجابة واضحة وبسيطة لأن هذا أساس أي فكر وأي عمل. أي منهج وأية نظرية، وأن كل جهد بني على غير ذلك ضلال.

السياسة التي نعرفها الغاية فيها تبرر الوسيلة وهو نفس منهج علم الإعلام وعلم النفس، وقد بنيت كل النظريات المتعلقة بهذه العلوم على أساسه، أما منهج الله فهو منهج الاستقامة سواء في السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية، وقد جاء ذلك بوضوح في أوامر في التعامل مع المسلمين وغير المسلمين، وبين الأهداء بتعريفاتهم المختلفة، وتطبيق هذه الأوامر بمنهج الاستقراء.

الامتحان أحد أسس تطبيق الساسة. كما جاء في امتحان المهاجرات والبيعة، ومن الأسس المتعلقة بتطبيق السياسة على غير المسلمين دراسة الشخضية القومية، ومن أسس التعامل مع الخيانة النبذ إلى الخائنين، ومن أسس التعامل مع النفاق السياسي ما جاء في سورة المنافقون.. وغير ذلك أحكام وأوامر وشواهد وتطبيقات وردت في القرآن الكريم حول علم السياسة، ومن أهمها نظرية الدفع.

على أقسام وكليات العلوم السياسية أن تعيد النظر في مناهجها العلمية، وتناقش ما نقلته عن الغرب بحيادية ومنطقية، وأن تعطي للقرآن الكريم مجالا للدراسة في هذا الشأن، لعلهم يخرجون لنا نظرية سياسية حقة لا تستند على الظن والتخمين والافتراض.

ولا تتوقف عند السيناريوهات المتعددة كنتائج للبحوث السياسية بحيث اذا قدمت لمسؤول لا يدري ايها يختار، فاختيار احد هذه السيناريوهات مغامرة و ليست قرارا مضمونا.

لقد كان لنا في رسول الله ﷺ قدوة حسنة. ولم يتبع الرسول سياسة الكفار ولا المنافقين في التعامل معهم، بل اتبع سياسة القرآن الكريم ومنهجها: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} فهزمهم، كما أن مصر لم تَهزِم عدوا ولم تطرد محتلا إلا عندما تقول بسم الله الله أكبر.

كان المسلمون مشردين فآواهم الله وكانوا ضالين فهداهم الله وكانوا فقراء فإغناهم الله وكانوا ضعافا فهزموا الشرق والغرب بمنهج الله.. سياسة الظن والافتراض والتخمين لن تجدي معنا في تحقيق ما نصبو إليه. كما أن نتائج السيناريوهات لن تجعل لنا رؤية مستقبلية صحيحة.

ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الآداب، جامعة عين شمس.

المصدر | facebook.com/msmomen