مسؤولية الديون ومصلحة الشعوب

الدين يكون «بغيضاً» عندما يكون هناك مزيج من نظام «بغيض» واستخدام «سيئ» للدين لا يخدم المصلحة العامة.

سجلت الديون العالمية مستويات غير مسبوقة، فبلغت 297 تريليون دولار، ما يعادل 353% من الناتج المحلي العالمي، متأثراً بتداعيات جائحة كورونا.

زاد حجم ديون الأسواق الناشئة بأسرع وتيرة له في الربع الثاني من 2021 ليبلغ 92 تريليون دولار وبلغت ديون الدول المتقدمة 205 تريليون دولار أي 418% من ناتجها المحلي الإجمالي.

النظام يحق له التنصل من أعباء دين أبرمها سلفه بثلاثة شروط معا: قرض تم دون موافقة السكان، والغرض تحقيق مصالح خاصة، والدائن على علم بالشرطين السابقين عند دفع أموال القرض.

*     *     *

سجل حجم الديون العالمية مستويات غير مسبوقة، إذ بلغ نحو297 تريليون دولار، وبما يعادل 353% من الناتج المحلي العالمي، متأثراً بتداعيات جائحة كورونا.

وهو أعلى مستوى له في تاريخه، بزيادة نحو36 تريليون دولار عما كان عليه قبل الجائحة. وتوقع معهد التمويل الدولي أن يتجاوز300 تريليون دولار قبل نهاية العام الحالي.

ووفق تقرير المعهد، زاد حجم ديون الأسواق الناشئة بأسرع وتيرة له في الربع الثاني من العام الحالي، ليصل نحو 92 تريليون دولار، فيما ارتفعت ديون الدول المتقدمة إلى205 تريليون دولار، بما يعادل 418% من ناتجها المحلي الإجمالي.

ومع اتجاه البنوك المركزية لتيسير السياسات النقدية، يواجه العالم هوة خطيرة بين الناتج العالمي والدين العالمي، حيث يوازي الدين 3.5 ضعف الناتج المحلي. لكن مخاطر ذلك مرتبطة في التفاوت الواسع الحاصل بين الدائن والمدين.

فالدول الفقيرة تغرق في الديون التي قد تصبح مستدامةً، الأمر الذي يجعلها مستباحةً أمام الدول الدائنة التي ستمارس عليها أشكالا من الضغوط والنفوذ، للسيطرة على قرارها السيادي ومواردها. ويلاحظ أن نحو 62 من الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، تقع تحت أعباء دين بقيمة 691 مليار دولار.

ويقدر إجمالي خدمة الدين بين عامي 2021 و2022 بنحو 330 مليار دولار. ومع تفاقم الإنفاق الاستهلاكي، بعيداً عن الإنفاق التنموي، وما يرافقه من صفقات وفساد سياسي، يبرز الفارق الكبير بين أنواع الديون المتعاقد عليها.

وتشير نظرية مقنعة، طورها الخبير أليكسندر ساك إلى أنه إذا أبرمت سلطة استبدادية ديناً ما، ليس من أجل حاجات الشعب أو مصالح الدولة، إنما لتقوية نظامها الاستبدادي وقمع شعبها، فإن هذا الدين يعتبر«مقيتًا» لشعب تلك الدولة، ولا يشكل التزاماً على الأمة، بل «دين النظام»، أي دين شخصي للسلطة التي أبرمته.

واستكمالا لتطبيق هذه النظرية يبرز اقتراح هانلون، المقرر الأممي الخاص لموضوع الديون العامة، أربع فئات للديون التي يمكن اعتبارها غير مشروعة، وهي:

1. القروض غير المقبولة، والتي تشمل القروض «البغيضة» أو التي منحت لمسؤولين فاسدين، أو خصصت لمشاريع غير قابلة للتنفيذ.

2. القروض التي تشمل أسعار الفائدة الربوية وتنتهك القوانين الوطنية.

3. القروض غير الملائمة والتي تكون المنح أكثر ملاءمة منها.

4. القروض التي تحمل شروطاً مخالفة للسياسات العامة.

وانطلاقاً من أن الدين يكون «بغيضاً» عندما يكون هناك مزيج من نظام «بغيض» واستخدام «سيئ» للدين لا يخدم المصلحة العامة، يعتقد «ساك» أن النظام يحق له التنصل من أي أعباء ديون أبرمها سلفه تتحقق فيه ثلاثة شروط مجتمعة: القرض الذي يتم من دون موافقة السكان، وأن يكون الغرض تحقيق مصالح خاصة، وأن يكون الدائن على علم بالشرطين السابقين عند دفع أموال القرض.

وفي هذا السياق، تبرز جهود عدد من الخبراء في دول عدة، لتوسيع نطاق الديون «البغيضة» لتشمل جميع الديون التي تتراكم وتثقل الخزينة العامة نتيجة سياسات مالية ونقدية غير واضحة وغير شفافة، وممارسات سياسة فاسدين، أحكموا قبضتهم على مؤسسات البلاد ومقدراتها، وأداروا دفة الحكم بخلفية غير وطنية.

وبما أن بعض الدراسات تطلق على «الدين البغيض» اصطلاح «الدين الشائن»، فإنه يمكن ربطه مباشرة بـ«الجرم الشائن» بمفهوم قانون العقوبات، وبالتالي تجريم الدائن واعتباره شريكاً ومسؤولا جزائياً، وليس فقط مدنياً، عن الضرر الناتج عن «الدين الشائن».

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية

المصدر | الاتحاد