الأحد 24 أكتوبر 2021 02:58 ص

يحتفل المحللون الذين يتعاملون مع السياسة العراقية بشكل سطحي بالانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في 10 أكتوبر/تشرين الأول، معتبرين إياها هزيمة كبرى لإيران.

ويستند جزء كبير من هذا التحليل إلى الخسارة الكبيرة التي تكبدها تحالف "الفتح"، وهو تحالف من الأحزاب الشيعية تم تشكيله بأموال إيرانية في عام 2018. وتم تقليص مقاعد الكتلة من 48 إلى 20، مما دفع "هادي العامري" للإعلان عن رفض هذه النتائج مهما كان الثمن.

ويرأس "العامري" منظمة "بدر" القوية، وهي ميليشيا تمولها إيران وتشكلت في الثمانينيات لمحاربة "صدام حسين" خلال الحرب العراقية الإيرانية. وعادت منظمة "بدر" إلى العراق بعد سقوط "صدام" عام 2003. وقد أداروا فرق الموت في شوارع بغداد للقضاء على أعدائهم التقليديين، سواء من المسلمين السنة أو المنافسين الشيعة، وكانوا في كثير من الأحيان يسيطرون على وزارة الداخلية. وكانت حصة منظمة "بدر" من البرلمان السابق 22 مقعداً، لكنها تراجعت الآن إلى 5 فقط، مما يفسر إحباط "العامري".

وأظهرت الانتخابات خسارة وحدات "الحشد الشعبي" أيضا، وهي ميليشيا أخرى تمولها إيران وتشكلت في عام 2014 لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". ومثل "بدر"، فإن "الحشد الشعبي" أيضًا جزء من تحالف "الفتح" وتعمل المليشيا سياسيا تحت اسم "تحالف العقد الوطني" بقيادة مستشار الأمن القومي العراقي السابق "فالح الفياض" وقد فازت أيضا بـ 5 مقاعد فقط.

ويتكون البرلمان العراقي من 329 مقعدا وهناك حاجة إلى 165 مقعدا لتحقيق أغلبية الأصوات. لا يمكن لأي من هذه الأحزاب بمفرده تسمية أي رئيس وزراء في المستقبل ما لم يتعاون مع كتل أكبر وأكثر قوة داخل البرلمان. وللوهلة الأولى يبدو أن نتائج الانتخابات العراقية كانت بمثابة نكسة كبيرة لإيران. ومع ذلك، هناك أكثر مما تراه العين.

عامل "نوري المالكي"

وبالرغم من فشل تحالف "الفتح" في الحصول على أغلبية الأصوات، فإن الحليف الآخر لإيران، "نوري المالكي" فعل ذلك واكتسح الانتخابات بـ37 نائباً. ولا يقل تأييد رئيس الوزراء السابق لإيران عن تحالف "الفتح". في النهاية، فإن "المالكي" هو الرجل الذي عزز النفوذ الإيراني في العراق خلال الأعوام 2006-2014.

وكان السنة العراقيون غاضبين في عهد "المالكي"، عندما تم اعتقال وإعدام معظم مسؤولي حزب البعث في البلاد، بمن فيهم صدام "حسين". وأعطى المالكي الميليشيات الشيعية الضوء الأخضر، وقام بحمايتها من اضطهاد القضاء العراقي مقابل ولائها. وفي عهده ظهرت وازدهرت الميليشيات المدعومة من إيران.

وخلال عامه الأخير في منصبه، اجتاح تنظيم "الدولة الإسلامية" العراق وأعلن "أبو بكر البغدادي" الخلافة المزعومة من الموصل، مما أجبر "المالكي" على التنحي. وبعد 24 ساعة من استقالته في 9 سبتمبر/أيلول 2014، تم تعيينه نائبا لرئيس جمهورية العراق. وبسبب سلسلة من الممارسات الخاطئة، فاز ائتلافه "دولة القانون" بـ 25 مقعدًا فقط خلال الانتخابات البرلمانية عام 2018.

وبالرغم أن "المالكي" لم يفز بأغلبية في هذه الانتخابات، إلا أنه سيكون له بالتأكيد رأي في تسمية أي رئيس الوزراء القادم وقد يشكل كتلة مع أصدقائه في تحالف "الفتح"، مما سيرفع نصيبهم إلى 57 نائباً.

صانع الملوك: "مقتدى الصدر"

ويظل صانع الملوك في أي حكومة مستقبلية هو "مقتدى الصدر"، وهو متمرد تحول إلى رجل دولة ويترأس كتلة "سائرون"، المنتصر الرئيسي في انتخابات هذا الشهر.

وزاد تحالف "سائرون" حصته من 54 إلى 73 مقعدًا، رغم أن "الصدر" كان يستهدف في الأصل ما لا يقل عن 100 مقعدا. ويعزى هذا الانتصار بشكل أساسي إلى انخفاض نسبة الإقبال في يوم الانتخابات، حيث بلغت نسبة المشاركة 41% فقط. وبينما قاطع العديد من العراقيين الانتخابات، ظهر أتباع "الصدر" بأعداد كبيرة للتصويت لمرشحيه.

يشار إلى أن "الصدر" نجل زعيم شيعي أسطوري يُعتقد أنه قُتل بأوامر من "صدام" عام 1999، وقد اشتهر "الصدر" لقيادته تمردًا ضد القوات الأمريكية في عام 2004، مما وضعه على قائمة المطلوبين الأمريكية.

وشكل "الصدر" ميليشيا سيئة السمعة تعرف باسم "جيش المهدي"، والتي كانت تحظى بشعبية كبيرة بين فقراء المدن من الشيعة العراقيين. وأعطاهم "الصدر" السلاح ووفر لهم الحماية من العدالة العراقية، وتركهم يديرون أحياءهم بحرية.

وفي عام 2008، سافر "الصدر" إلى إيران للدراسة وصقل مؤهلاته الدينية بينما أمر بتجميد عمليات "جيش المهدي" لتطهير الجماعة من البلطجية والمجرمين. ثم عاد إلى العراق كرجل دولة ولد من جديد، وأصبح أقوى فكريًا وسياسيًا ودينيًا، وأعاد تنظيم قواته من ميليشيا إلى حزب سياسي.

وساعد "الصدر" في جلب "المالكي" إلى السلطة في عام 2006، ثم كان له الكلمة الأخيرة في الإطاحة به في عام 2014. ثم أوصل "حيدر العبادي" إلى منصبه، لكنه سحب دعمه بعد أن وافق "العبادي" على الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

وبعد ذلك، ساعد "الصدر" في دعم "عادل عبدالمهدي" كرئيس للوزراء، ثم أمر أتباعه بالمشاركة في مظاهرات للمطالبة بإسقاطه في أكتوبر/تشرين الأول 2019. وفي مايو/أيار 2020، صوت لصالح "مصطفى الكاظمي" ليكون رئيسا للوزراء. وكثيرا ما اتهمه منتقدوه باختيار رؤساء الوزراء على أساس ولائهم لإيران. ومع ذلك، فإن الأرجح أنه يختارهم بناءً على ولائهم لـ"مقتدى الصدر"!

وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، حاول "الصدر" في كثير من الأحيان تسويق نفسه على أنه ناقد للنفوذ الإيراني في العراق، على أمل إعادة تعريف نفسه باعتباره قومي عراقي يتحدث باسم السنة والشيعة على حد سواء. وقد شجع أتباعه على التظاهر ضد الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2019، وانتقد الخدمات الحكومية، ونقص الوظائف، وحكم الميليشيات، بينما تجاهل حقيقة أنه قاد لسنوات أقوى ميليشيا في العراق.

وفي أبريل/نيسان 2017، تصدّر "الصدر" عناوين الصحف العالمية من خلال دعوة حليف إيران، رئيس النظام السوري "بشار الأسد" إلى الاستقالة. وبعد شهرين، أثار الدهشة بالسفر إلى السعودية للقاء ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان".

وما لم يظهر في الأخبار هو زيارة سبتمبر/أيلول 2019 إلى طهران، حيث تمت دعوة "الصدر" لحضور احتفال ديني شيعي مقدس. ونشرت وسائل إعلام رسمية إيرانية صورة "الصدر" وهو جالس بين المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" والراحل "قاسم سليماني" قائد فيلق القدس.

وعادةً ما يتم تخصيص مثل هذا الموقف والتقدير لكبار أصدقاء إيران وأكثر الحلفاء الموثوق بهم، وليس أبدًا للنقاد أو المعارضين. وفي يوليو/تموز الماضي، بعث "الصدر" برسالة إلى "الأسد" يهنئه فيها على إعادة انتخابه. ولن يفعل أي خصم حقيقي لإيران أيًا من هذا، مما يعني أن انفتاحه على السعودية في عام 2017 لم يكن أكثر من خدعة، وعلى الأرجح لم ينسقها سوى ملالي طهران.

بعد إعلان النتائج الأسبوع الماضي، عقد "الصدر" مؤتمراً صحفياً تحدث فيه بإجادة قوية للغة العربية الفصحى (على عكس خطاباته السابقة عام 2004). وخاطب الغرب أكثر من العراقيين المحليين، حيث قال: "من الآن فصاعدًا، يجب جعل السلاح في أيدي الدولة فقط. حان الوقت لكي يعيش الناس بسلام بلا احتلال وإرهاب ومليشيات وخطف وخوف".

ومهما بدت هذه التصريحات جريئة، فإنها تظل بلا معنى، حيث ينتقد "الصدر" نفس الممارسات التي أوصلته إلى السلطة وأبقته على رأس السياسة العراقية لمدة 18 عامًا.

وبالرغم من حصوله على نصيب الأسد من المقاعد، سيتعين على "الصدر" أيضًا تشكيل ائتلاف من أجل تسمية رئيس وزراء في المستقبل. ويتمتع "الصدر" الآن برفاهية اختيار من يريد كحلفاء برلمانيين، بناءً على نفوذهم وعددهم. وسيعمل بلا شك مع ثاني أكبر كتلة وهي كتلة "نوري المالكي" المدعومة من تحالف "الفتح".

وفي المجموع، سيؤدي ذلك إلى كتلة من 130 نائبًا، ما يعني أنه لا يزال يحتاج إلى 35 مقعدًا من أجل تشكيل الأغلبية. وهذا هو المكان الذي ستلعب فيه الأحزاب غير الشيعية دورًا، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي حصل على 32 مقعدًا، والكتلة السنية برئاسة رئيس مجلس النواب "محمد الحلبوسي" التي حصلت قائمتها، "تقدم"، على 43 مقعدًا.

ومع ذلك، فإن قلب أي تحالف سيكون هو الأحزاب الشيعية التابعة لإيران بدرجات متفاوتة والتي كان قادتها يسيطرون على العراق منذ عام 2003. لذلك فإن الانتخابات الأخيرة لا تمثل هزيمة لإيران بقدر ما تمثل تغيير بسيط في لعبة كراسي موسيقية للسياسيين المدعومين من إيران.

المصدر | سامي مبيض - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد