الأحد 24 أكتوبر 2021 12:12 م

وصلت إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى السلطة في يناير/كانون الثاني وهي مصممة على إنهاء الحرب في اليمن. وخدم العديد من الإدارة الجديدة سابقا في إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما"، واعتبروا قرار "أوباما" بالموافقة على التدخل بقيادة السعودية في اليمن كان خطأ. وفي وقت لاحق، شبه أحد كبار مسؤولي إدارة "أوباما" خطوة دعم السعوديين بـ"ركوب سيارة مع سائق مخمور".

وتعد الحرب في اليمن كارثة بكل المقاييس. وتعرضت السعودية والإمارات، وكلاهما شريكان للولايات المتحدة، لاتهامات بتعذيب السجناء في اليمن وتنفيذ غارات جوية قتلت المدنيين، والمساعدة في خلق ما تعتبره الأمم المتحدة "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

وبعد أسبوعين من توليه المنصب، تعهد "بايدن" في أول خطاب رئيسي له بشأن السياسة الخارجية بإنهاء "الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في حرب اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة".

وفي نفس اليوم عينت إدارة "بايدن"، "تيموثي ليندركينج"، وهو ضابط محترف في الخدمة الخارجية، مبعوثا خاصا للولايات المتحدة إلى اليمن. وفي اليوم التالي، 5 فبراير/شباط، أبلغت إدارة "بايدن" الكونجرس أنها سترفع تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، والذي أقرته الإدارة المنتهية ولايتها على في آخر يوم للرئيس "دونالد ترامب" في منصبه.

ومن واشنطن، كان هناك وعد بالسلام يلوح في الأفق. وقد ضغطت الولايات المتحدة على السعودية، وكثفت من جهودها الدبلوماسية، وأظهرت "الجزرة" للحوثيين برفع تصنيفهم كمنظمة إرهابية. وكما قال "ليندركينج" بعد أسبوعين، كان الوقت مناسبا لـ "اختبار" نوايا الحوثيين بشأن ما إذا كانوا ملتزمين بعملية السلام.

ورد الحوثيون، كما كان ينبغي أن يكون متوقعا، على تحركات الولايات المتحدة ليس بعرض للحديث بل بهجوم متجدد على مأرب التي يعتبرها الحوثيون مفتاحا لهدفه المتمثل في إقامة دولة مستقلة في اليمن.

وتتركز الموارد الاقتصادية للبلاد، ولا سيما حقول النفط والغاز، في مأرب وشبوة وحضرموت. ولكي يعيش الحوثيون كدولة، يحتاجون للسيطرة على واحدة على الأقل من هذه المحافظات. ونظرا لأن مأرب هي أقصى غرب هذه المحافظات والأقرب من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، فقد أظهرت الميليشيا تركيزا خاصا على مأرب.

وإذا نجح الحوثيون في الاستيلاء على مأرب، فمن المحتمل أن يتجهوا جنوبا إلى شبوة في محاولة للسيطرة على حقول النفط هناك وتوسيع قاعدتهم الاقتصادية.

وخلال السنوات الأولى من الحرب، كانت مأرب واحدة من قصص النجاح القليلة في اليمن. وحفز النازحون من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وكذلك الاستثمار الخارجي طفرة في البناء حيث زاد عدد سكان مأرب من ما يزيد قليلا عن 400 ألف في عام 2015 إلى ما يقرب من 3 ملايين اليوم.

وتم بناء مركز تسوق لامع، وملعب كرة قدم جديد، وجامعة مستقلة، وبدأ بناء مطار دولي. وتم كل ذلك تحت مظلة من الدعم والرعاية من الجيش الإماراتي وبطاريات صواريخ باتريوت التابعة له، ما منع الحوثيين من التوغل شرقا في مأرب.

لكن في يونيو/حزيران 2019، بدأت الإمارات في الانسحاب من اليمن، وسحبت قواتها وبطاريات صواريخ باتريوت من مأرب. وفي 4 يوليو/تموز 2019 اختبر الحوثيون دفاعات المدينة بإطلاق صواريخ باليستية على منزل محافظ مأرب "سلطان العرادة".

وفي يناير/كانون الثاني 2020، شن الحوثيون هجوما على مأرب. وخلال معظم العام التالي كان القتال غير حاسم إلى حد ما. وألقى الحوثيون بموجة تلو موجة من المقاتلين على القوات المتحالفة مع حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" والميليشيات القبلية المدعومة بغطاء جوي سعودي. وكان الحوثيون يسيطرون على بعض الأراضي ثم تستعيدها القوات الحكومية في صراع متأرجح لا يمكن لأي طرف أن ينتصر فيه.

ومع رفع إدارة "بايدن" تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، ضاعف الحوثيون جهودهم في مأرب. وأعادت الجماعة نشر مقاتلين من جبهات أخرى إلى مأرب وتحركت جنوبا إلى البيضاء وشبوة لتطويق مأرب وقطع طرق الإمداد الرئيسية.

وضغط الحوثيون كذلك على قبائل مأرب للموافقة على اتفاقيات عدم اعتداء فردية من شأنها أن تسمح للمقاتلين الحوثيين بعبور الأراضي القبلية في طريقهم إلى مأرب. وحتى الآن، لم ينجح الحوثيون في التفاوض مع القبائل السنية في مأرب، لكن المحلل "عبدالغني الإرياني" كتب أن بعض القبائل "تقترب أكثر من قبول صفقة مع الحوثيين".

ويعد جزء كبير من غرب وجنوب مأرب، حيث يدور القتال حاليا، عبارة عن أرض صحراوية مسطحة نسبيا، ما يجعل مقاتلي الحوثيين عرضة للضربات الجوية. لكن الضغط الأمريكي على السعودية، والمبيعات المعلقة للأسلحة الهجومية، من المرجح أن ينهيان هذا الرادع.

وأخبر بعض المسؤولين الغربيين مؤخرا مجموعة الأزمات الدولية أنه "بمعدلات الاستخدام الحالية" قد يضطر السعوديون إلى تقليص استخدامهم للذخائر الموجهة بدقة في غضون العام المقبل.

ويشهد التحالف المناهض للحوثيين انقساما في مأرب بالفعل. وتبحث السعودية عن مخرج، وتتطلع القبائل إلى صفقات فردية مع الحوثيين، وتعاني القوات الحكومية من عدم الكفاءة والفساد وسوء الإدارة.

ووفقا لتقرير حديث، يضطر الجنود في مأرب غالبا على شراء أسلحتهم من السوق السوداء. ولم يتقاضى الكثير من الجنود في المحافظة رواتبهم منذ شهور، ما أدى إلى فرار البعض وعبورهم إلى السعودية بحثا عن عمل. ولهذا ليس من المستغرب أن الحوثيين ينتصرون على الأرض.

وفي سبتمبر/أيلول، سيطر الحوثيون بشكل كامل على محافظة البيضاء وأجزاء من شمال شبوة، ما يسمح لهم بقطع مأرب عن الجنوب. كما سيطروا على منطقة حريب جنوبي المحافظة، وحاصروا منطقة العبدية، وواصلوا الضغط باتجاه مدينة مأرب.  

وإذا نجح الحوثيون في الاستيلاء على عاصمة مأرب، وهو ما يبدو مرجحا بشكل متزايد، فسيمنحهم ذلك السيطرة على حقول الغاز وينهي أي آمال عالقة في إعادة تشكيل اليمن كدولة واحدة.

ووضعت الديناميكيات في مأرب الولايات المتحدة في موقف صعب، إذ ليس لها أي نفوذ على الحوثيين. ولم تنجح العقوبات، كما أن التصريحات شديدة اللهجة الصادرة عن الولايات المتحدة والأمم المتحدة لا تلقى آذانا صاغية، وأثبتت المشاركة العسكرية الأمريكية المباشرة أنها غير ناجحة.

ولا يرى الحوثيون أي سبب للتسوية أو التفاوض. إنهم يعتقدون، عن حق، أنهم ينتصرون في ساحة المعركة، وأنهم إذا استمروا في الضغط في مأرب فيمكنهم في النهاية الاستيلاء على حقول النفط والغاز وتأمين دولة مستقلة يقودها الحوثيون.

كما أن إدارة "بايدن"، بعد أعوام من انتقادات الديمقراطيين للتحالف الذي تقوده السعودية، ليست مستعدة للتراجع عن قرارها بشأن توفير أسلحة هجومية للسعوديين. وتكتشف الإدارة منذ توليها منصبها مخاطر ممارسة الضغط عندما يكون لديها نفوذ على جانب واحد فقط.

وحاليا تنفد الخيارات أمام الولايات المتحدة. وهناك شيئين على وشك أن يحدث أحدهما. إما أن تحتاج الولايات المتحدة إلى مساعدة خارجية من إيران لإقناع الحوثيين بوقف هجومهم قبل سقوط مأرب (لكن لماذا ستضغط إيران على حلفائها للتوقف، ولماذا سيستمع الحوثيون إذا لم يكن الأمر مقنعا)، أو أن يسيطر الحوثيون مأرب ويتجهون للضغط جنوبا على شبوة، وهنا سينهار هدف المجتمع الدولي المتمثل في إحياء دولة يمنية موحدة.

المصدر | جريجوري جونسن - معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد