الأحد 24 أكتوبر 2021 10:36 ص

سلطت صحيفة "فايننشال تايمز" الضوء، الأحد، على مؤشرات التوتر في العلاقات بين دول الخليج العربية، مشيرة إلى أن الإمارات باتت في مرمى نيران السعودية، التي تستعرض قوتها الاقتصادية بالمنطقة قبل انطلاق مؤتمر "مبادرة الاستثمار" بالرياض، الثلاثاء المقبل، وتسعى لريادتها، استنادا إلى ثقلها الجغرافي.

وذكرت الصحيفة البريطانية، في تقرير لها، أن الإمارات ظلت لعقود الأكثر رشاقة بالمنطقة من الناحية الاقتصادية، حيث استثمرت قربها من المملكة السعودية المحافظة بتوفيرها نمط حياة أكثر ليبرالية للمديرين التنفيذيين الأجانب.

العديد من المصرفيين والمستشارين والمحامين والمصنعين، الذين يخدمون المملكة العربية السعودية (أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط وأكبر سوق استهلاكي في الخليج) أقاموا مشاريعهم التجارية في الإمارات، وظلوا يسافرون ذهابًا وإيابًا إلى المملكة، الأكثر محافظة، عند الحاجة.

ولكن ولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان"، بصفته الزعيم الفعلي للسعودية، يقود بقوة خططًا طموحة لتحديث بلاده وتطوير صناعات جديدة وخلق فرص عمل للشباب في المملكة ويتبنى رسالة مفادها أن بيئة الأعمال في الرياض لن تستمر على حالها المعتقاد بعد الآن.

وفي هذا الإطار، إذا أرادت الشركات القيام بأعمال تجارية في السعودية، ولا سيما مع الدولة -المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي- فعليها أن تعمل من داخل المملكة وأن توظف السعوديين، بما يعزز تطلعات "بن سلمان" لتحويل السعودية إلى المركز الاقتصادي المهيمن في المنطقة.

وكان إنشاء مركز الملك عبدالله المالي في الرياض جزءًا من هذه الجهود لجذب المستثمرين وطمأنتهم، إذ يراهن "بن سلمان" ومساعدوه على "حجم المملكة" وقدراتها الممكنة اقتصاديا، حتى لو كانت تفتقر إلى العديد من السمات التي توفر الراحة لأولئك الذين يقيمون في دبي.

وفي السياق، قال مسؤول سعودي رفيع: "العملاق يستيقظ"، مضيفا: "هذا ليس ضد الإمارات، يبدو الأمر كما لو كنت نائما والغبار كان يترسب على جسدك. ثم تستيقظ وتتخلص منه".

يتردد صدى هذه "الصحوة" الاقتصادية في جميع أنحاء الإمارات ومجالس إدارة الشركات الموجودة بها، خاصة بعدما وجه "بن سلمان" إنذارا نهائيا للشركات الأجنبية بنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض بحلول عام 2024 أو نسيان العقود الحكومية المربحة، التي تمثل جائزة كبرى لكثير منها.

كما غيرت الرياض لوائحها المنظمة لدخول الواردات من دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات والكويت وقطر وعمان والبحرين)، وسحبت امتيازات التعريفة الجمركية من السلع المصنعة في المناطق الحرة، أو تلك التي تنتجها الشركات التي يشكل الموظفون الخليجيون فيها أقل من 25% من القوة العاملة.

وتزايد الضغط على الشركات لتوقيع تراخيص تضفي الطابع الرسمي على خطط لنقل مقارها إلى الرياض قبل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، رغم أن الإطار التنظيمي لهذا النقل لا يزال غير واضح.

وإزاء ذلك، وقعت 24 شركة عالمية اتفاقيات لنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض، بما في ذلك شركة "PepsiCo"، ومجموعة خدمات النفط "شلمبرجير"، ومجموعة "Bechtel" للهندسة والبناء، وشركة "PwC" للاستشارات.

وعزز من إبرام هذه الاتقاقيات أن الرياض ستكون "منطقة استثمار خاصة" لجذب الشركات الأجنبية، وسيتم اعتبارها "مركزًا خارجيًا" من حيث سن الضرائب، وهو ما تعمل السلطات السعودية على إتمام إطاره التنظيمي حاليا.

كما تبني السلطات السعودية شبكة نقل بكلفة 27 مليار دولار في الرياض، تشمل مترو من 6 خطوط على وشك الانتهاء.

وفي السياق، نقلت الصحيفة البريطانية عن مصرفي دولي مقيم في دبي قوله: "لو كانت مجموعتنا تتأسس في المنطقة اليوم لكان مقرها في السعودية".

فيما قال مسؤول تنفيذي في شركة متعددة الجنسيات إن مجموعته ستقلص حجم عملها في دبي، وستعزز عملياتها في الرياض، بسبب "حجم الأعمال في المملكة".

وتشير "فايننشال تايمز"، في هذا الإطار، إلى الحليفين القديمين، السعودية والإمارات، لديهما تاريخ من العلاقات المتوترة، ففي عام 2009 أُبطلت الإمارات خطط البنك المركزي الخليجي بصك عملة موحدة عندما انسحبت من المبادرة لأن الرياض كان مقررا أن تكون مقرا للبنك وليس أبوظبي.

ورغم أن العلاقات بين البلدين ازدهرت بعد أن تولى الشيخ "محمد بن زايد" ولي عهد أبوظبي، دور الحليف الداعم لـ"بن سلمان"، الذي سرعان ما ترقى ليصبح وريثًا لوالده، العاهل السعودي، الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، إلا أن عديد المحللين يشيرون إلى أن تلك العلاقات عادت للفتور بعد مقتل "جمال خاشقجي" عام 2018، حيث شعر قادة الإمارات بالقلق من "عدوى الإدانة الدولية" واسعة النطاق، التي طالت ولي العهد السعودي، على خلفية دور الرياض المزعوم في عملية الاغتيال.

ثم أزعجت الإمارات استقرار الرياض بسحب قواتها من اليمن في عام 2019، حيث قادت السعودية تحالفًا عربيًا ضد المتمردين الحوثيين، المتحالفين مع إيران. وفي الآونة الأخيرة، اختلف الحليفان لفترة وجيزة حول حصص إنتاج النفط بمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك).

ويرى عديد المراقبين أن وليي العهد، السعودي والإماراتي، متفقان على قضايا أساسية، مثل تهديد إيران والحركات الإسلامية، لكن كان من الواضح أن "بن سلمان" لا يريد للرياض أن تكون "شريكًا صغيرًا" في العلاقة مع أبوظبي.

غير أن المسؤولين في الرياض يصرون على أنهم لا يستهدفون الإمارات، بل يحاولون فقط تحقيق مصالحهم الخاصة، وهو ما نقلته الصحيفة البريطانية عن أحدهم قائلا: "هذا لا يتعلق بالسعودية مقابل الإمارات. طموحاتنا تذهب أبعد من ذلك، وستظل دبي موجودة دائمًا (..) نمونا سوف يترجم إلى نمو وازدهار للمنطقة بأكملها".

وسواء كان ذلك عمداً أم لا، فقد باتت الإمارات في مرمى النيران الاقتصادية للسعودية، وهو ما ظهر جليا في يوليو/تموز الماضي (الشهر الأول بعد فرض السعودية للتعريفات الجمركية الجديدة)، حيث تراجع حجم واردات الإمارات إلى السعودية بنحو الثلث.

وبات مؤكدا أن اقتصاد السعودية، البالغ حجمه 700 مليار دولار، يقزم إنتاج الإمارات، البالغ 421 مليار دولار، في حين أن عدد سكانها، البالغ 33 مليون نسمة، هو 3 أضعاف سكان جارتها، حيث يمثل المغتربين نسبة 90% من السكان البالغ عددهم 10 ملايين نسمة.

الجغرافيا هي كلمة السر وراء فارق "الحجم" ذاك، إذ إن السعودية بحجم أوروبا الغربية ولديها خطان ساحليان هائلان على أحد طرق الشحن الرئيسية في العالم.

ولذا تنقل "فايننشال تايمز" عن مصرفي كبير في المنطقة قوله: "إذا قمت بعمل خريطة اقتصادية، فستضع كل شيء في الرياض".

وحول المفهوم ذاته، قال وزير الاستثمار السعودي "خالد الفالح"، عندما سُئل عن توقعات الرياض للمنافسة مع أبوظبي: "يمكننا أن ننمو مع الإمارات جنبًا إلى جنب، ولدينا موقع مميز. ما عليك سوى إلقاء نظرة على الخريطة".

وأشار "الفالح" إلى أن بلاده تتمتع بمزايا عديدة، منها مساحات الأراضي الواسعة، والطاقة الرخيصة، وموانئ البحر الأحمر التي تمكن الشحنات من تجنب مضيق هرمز في الخليج، إضافة إلى صناعة ضخمة للبتروكيماويات، يمكن أن توفر مدخلات للمصنعين.

ومع ذلك ، يتساءل بعض المحللين عن الكيفية التي ستمول بها السعودية مشاريعها العملاقة وما إذا كانت قوتها المالية وحدها ستكون كافية لجذب شركات جديدة إلى البلاد.

وعزز من طرح التساؤل أن عديد المستثمرين الأجانب أظهروا إقبالا محدودا على خطط "بن سلمان" الاستثمارية.

فمنذ أن أطلق ولي العهد برنامجه لرؤية 2030 في عام 2016، كان الاستثمار الأجنبي المباشر فاترًا ، حيث انخفض من 7.45 مليار دولار في عام 2016 إلى 1.42 مليار دولار في عام 2017، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة.

صحيح أن هذا الرقم ارتفع إلى 5.5 مليار دولار العام الماضي، مع إصدار أكثر من 400 ترخيص للمستثمرين الأجانب في الربع الأول من عام 2021، إلا أن ذلك يزيد قليلاً عن "ربع" الاستثمار الأجنبي المباشر الذي حصلت عليه الإمارات، وأقل بكثير من الهدف المعلن برؤية السعودية 2030، البالغ 100 مليار دولار.

ويعزو المحللون تحفظ المستثمرين إلى المخاوف بشأن البيئة التنظيمية للاقتصاد السعودي ونموه الضعيف في السنوات الأخيرة، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بسمعة المملكة في ظل حكم "بن سلمان" بعد جريمة اغتيال "جمال خاشقجي" والحملة القمعية عام 2017، التي أدت إلى احتجاز مئات الأمراء ورجال الأعمال، بمن فيهم الشركاء المحليون لمستثمرين أجانب، في فندق ريتز كارلتون، وإجبارهم على نقل أصولهم إلى الدولة.

وبإضافة أن الإمارات لم تنتظر لترى كيف ستتكشف خطط الرياض الاقتصادية، حيث اتخذ مسؤولوها بالفعل شملت تقديم تأشيرات طويلة الأجل للمغتربين والسماح للأجانب بامتلاك الشركات بالكامل، يمكن قراءة نمط المنافسة بين الحليفين المتنافسين، إذي يسعى كل منهما إلى توفير "بيئة" أكثر ملاءمة لجذب الاستثمارات.

 وبينما تكثر الشائعات بأن السعودية قد تضفي الشرعية على المشروبات الكحولية في مناطق معينة، خاصة تلك السياحية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، هناك تكهنات بأن الإمارات ربما أن تلغي تجريم المثلية الجنسية وتغير أسبوع عملها ليبدأ من يوم الإثنين حتى يوم الجمعة.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات