الخميس 4 نوفمبر 2021 01:27 ص

في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، كانت هناك بعض المخاوف في المؤسسة الأمنية الأمريكية من أن الولايات المتحدة قد تتنازل عن النفوذ في الشرق الأوسط لصالح الصين، مع تركيز الرئيس "جو بايدن" على شرق آسيا.

لكن هذا الرأي مختزل للغاية ويغفل طبيعة انخراط الصين الحالي مع حكومات الشرق الأوسط، وعلاوة على ذلك فإنه يتجاهل محدودية الانخراط الصيني مع شعوب المنطقة مما يقوض أي سعي لنفوذ إقليمي أكبر.

وفي الواقع، إذا استمرت بكين في نهجها الحالي فإنها تخاطر في النهاية باختيار الجانب الخاطئ، خاصة إذا تم استبدال الحكومات الحالية في الخليج.

مخاوف أمريكية مبالغ فيها

صحيح أن وجود الصين في الشرق الأوسط نما في العقود الأخيرة، إلا إن هذه الروابط تظل اقتصادية في المقام الأول، ويمتد نطاقها من التجارة في منتجات الطاقة إلى الاستثمار في عدة قطاعات أخرى بما في ذلك مشاريع البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

وأقامت بكين شراكات استراتيجية شاملة -أعلى شكل من أشكال التعاون التي يمكن أن تقدمها- مع السعودية والإمارات وإيران.

ولكن، لا توجد مؤشرات على أن التعاون الوثيق بين هذه الحكومات والصين سيغير بشكل كبير من دور بكين في المنطقة. وباستثناء إيران، تعد معظم هذه شريكة للولايات المتحدة ولا يرون الصين كبديل عن الولايات المتحدة التي تعد الضامن الأمني الأول لدول الخليج.

ولا يعكس التواصل الخليجي مع بكين فقط الطبيعة المتقلبة ومتعددة الأقطاب في المنطقة، ولكنه يعكس أيضا القلق بشأن الالتزام الأمريكي، وهي ظاهرة كانت موجودة قبل عهد "بايدن" منذ عهد "باراك أوباما" ومرورا بعهد "دونالد ترامب".

ولكن لا يبدو أن الصين تسعى لاستبدال الولايات المتحدة كضامن للأمن الإقليمي. وأشار الباحثان "صان ديجانج" ومبعوث الصين السابق في الشرق الأوسط "ووه سيكي" إلى عدم رغبة بكين في أكثر من إدارة النزاعات الإقليمية الحالية، ويبدو أن النخب الصينية لا تميل للانخراط في المنافسة الإقليمية، ناهيك عن حلها.

باختصار، ربما تكون هناك مبالغة في المخاوف الأمريكية. علاوة على ذلك، ربما يكون تأثير الصين في المنطقة قد تخطى ذروته بالفعل، خاصة إذا لم تبدأ في بناء علاقات متينة ومستدامة مع شعوب المنطقة.

الصين تركز على الحكومات

تاريخيا، كانت علاقة الصين مع الشرق الأوسط مدفوعة إلى حد كبير بالاتصالات على مستوى الحكومات، فقد قدمت بكين العلاقات مع الحكومات على المجتمعات.

وبالنظر إلى الطابع الاستبدادي لبكين وشركائها الإقليميين، فإن كليهما استفاد من هذا النهج على حد سواء، حيث لا تؤكد الصين فقط التزامها بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية في البلدان الأخرى، وإنما هناك فهم متبادل بأن شركاءها سيفعلون الشئ نفسه.

ونتيجة لذلك، لا تنتقد الصين الحكومات على تعاملها مع شعوبها، في حين تلتزم الدول العربية والإسلامية الصمت فيما يتعلق باضطهاد الإيجور في شينجيانج.

ومؤخرا، حاولت الصين تحسين صورتها واكتساب النفوذ بين الشعوب أيضا من خلال مبادرات مثل إنشاء معاهد كونفوشيوس في جميع أنحاء المنطقة ودبلوماسية "كوفيد-19" في أعقاب الوباء.

ويوجد حاليا 15 معهد كونفوشيوس في العالم العربي، والتي توفر تعليمًا للغة الصينية وفرصًا للتبادل الثقافي، وقد رحبت بها حكومات الخليج كوسيلة لجلب التمويل الذي تشتد الحاجة إليه في قطاع التعليم. أما بالنسبة لبكين، فتسمح معاهد كونفوشيوس بتشكيل وإدارة الخطاب حول الصين.

ولكن في حين تزايد التسجيل في المؤسسات الممولة من الصين، إلا أن هناك القليل من المؤشرات على أن هذا أسفر عن تقارب شعبي أكبر تجاه الصين وقيمها. وبدلا من ذلك، ذكرت الباحثة "ميمي كيرك" في دراستها لمعهد كونفوشيوس في دبي في عام 2015، أن معظم الدارسين انضموا لأسباب تتعلق بفرص العمل.

ووفقًا لمؤشر "أراب باروميتر"، أظهر الرأي العام العربي في عام 2020 ميلًا أكبر نحو الصين مقارنة بالولايات المتحدة، وربما يرجع هذا جزئيا إلى تركيزها على المسائل الاقتصادية عن المسائل السياسية، لكن من المهم أيضا الانتباه إلى أن الأرقام ليست حاسمة ولا تشكل أغلبية إلا في الجزائر والمغرب بينما تشكل 50% أو أقل في تونس ولبنان والأردن وليبيا.

ويتجلى الأمر ذاته في دبلوماسية "كوفيد-19" الصينية. فبالرغم أن بكين قدمت المعدات الطبية والمشورة إلى الشرق الأوسط في الأيام الأولى من الوباء وزودت المنطقة بلقاحاتها "سينوفارم" و"سينوفاك"، إلا إن هذا لم يغير الرأي العام بشكل إيجابي تجاه الصين.

ويعد استطلاع "يوتينج وانغ" و"لين خليفة" على مواطني الإمارات وغيرهم من المواطنين العرب القاطنين في الإمارات في نهايات 2020 وبدايات 2021، مؤشرًا مهمًا يعكس تحول الرأي العام، بالنظر إلى أن الإمارات واحدة من أهم الدول الإقليمية لبكين.

وقد كشف أن 47.7% قالوا إن تصورهم عن الصين ظل كما هو منذ اندلاع الجائحة، فيما أصبح 30.4% "أكثر سلبية قليلا" وأصبح 15.19% "أكثر سلبية بكثير"؛ وقال 7% فقط أن رأيهم أصبح أكثر إيجابية.

وبناء على ذلك، فإن فشل الصين في حصد تعاطف شعبي أكبر يمكن أن يلحق الضرر بحضورها الإقليمي على المدى الطويل وخاصة إذا لم تُوفِّ بوعدها الاقتصادي للمنطقة.

رهان مهدّد بالخسارة

يمر الشرق الأوسط بفترة من التوترات الداخلية، وكانت هناك علامات على الانفصال المتزايد بين الحكومات وشعوبها منذ فترة، وقد أدت الأزمات الاقتصادية وغياب التمثيل السياسي وحالة الاستياء العام إلى الانتفاضات في جميع أنحاء المنطقة في عام 2011.

وبالرغم من احتواء الربيع العربي، إلا أن احتجاجات 2018-2019 في السودان والجزائر والعراق ولبنان تعد أحدث مؤشر على استمرار المظالم العميقة التي تشعر بها الشعوب بسبب الحكومات الإقليمية.

وتواجه حكومات الخليج مخاطر مماثلة حتى لو تمكنت حتى الآن من تجنب مصير هذه الدول. كما أن هذه الحكومات تواجه تحديا خطيرا يتمثل في الانتقال من اقتصادات تعتمد على الهيدروكربونات إلى اقتصادات متنوعة مع الاحتفاظ بنفس مستوى المعيشة لمواطنيها.

وبالإضافة إلى ذلك، قد يتسبب الطابع الاستبدادي للأنظمة في صعوبة قياس الرأي العام بشكل صحيح حتى فوات الأوان، وإذا استنتجت المجتمعات أن زعماءها لا يستطيعون تزويدهم بالخدمات والفرص التي يريدونها، فقد يتم الإطاحة بهم.

وإذا حدث ذلك، فإن القيادة الصينية ستجد نفسها تتعامل مع النخب السياسية الجديدة، التي قد تذكر علاقات أسلافها الوثيقة مع بكين. وبالنظر إلى طبيعة العلاقات مع الصين المتسمة بالتردد والمستندة للمعاملات داخل هذه المجتمعات، فإن بكين قد تجد هذه الأنظمة الجديدة أقل ميلًا لتكوين موقف إيجابي تجاهها، وهكذا قد تتبخر آفاق الصين بالحصول على نفوذ أكبر.

المصدر | جوي بورتون - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد