الاثنين 15 نوفمبر 2021 02:50 م

الليرة التركية ... هل فلت عيارها؟

هل سينجح أردوغان في التغلب على أزمة الليرة الحالية وهو الذي نجح في معارك سياسية واقتصادية أكثر ضراوة وأشد خطرا؟

غموض حول أسباب عدم لجوء الحكومة التركية لسلاح الاحتياطي الأجنبي الضخم البالغ أكثر من 120 مليار دولار في الدفاع عن العملة!

معركة هبوط الليرة باتت في قلب المعركة السياسية والتراشق بين الأحزاب داخل تركيا، وإحدى أدوات المعارضة في الهجوم الشرس على أردوغان.

نجح أردوغان سابقا في تحويل دولة مفلسة ومتعثرة إلى واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية، وأحد أعضاء مجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الكبرى.

هل ستواصل الليرة هبوطها ولماذا الهبوط أصلا رغم تحسن مؤشرات الاقتصاد التركي وتحقيق البلاد نمو هو الأعلى في العالم والثاني بين اقتصادات الدول الكبار؟

*     *     *

مع استمرار تهاوي الليرة التركية وتجاوز سعر الدولار حاجز عشر ليرات لأول مرة منذ سنوات طويلة، هناك عدة أسئلة تطرح نفسها على السطح.

وقد لا تجد لها إجابة في ظل غموض الوضع في سوق الصرف الأجنبي بتركيا، وعدم مصارحة الحكومة بحقيقة ما يحدث، واستمرار تدخل مؤسسة الرئاسة في إدارة البنك المركزي والتأثير على السياسة النقدية، وظهور شائعات من وقت إلى آخر بحدوث إقالات في صفوف قيادات البنك المركزي، بمن فيهم محافظ البنك.

من بين تلك الأسئلة: هل ستواصل الليرة تهاويها، ولماذا هذا التهاوي أصلا رغم تحسن مؤشرات الاقتصاد التركي وتحقيق البلاد معدلات نمو هي الأعلى في العالم والثاني بين اقتصادات الدول الكبار؟

وهل صحيح أن الحكومة تتعمد استمرار هذا التهاوي بهدف زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، خاصة من قطاع حيوي مثل الصادرات الذي تتجاوز إيراداته 200 مليار دولار، وكذا من قطاع السياحة، كما يقول محسوبون على الرئيس التركي؟

أم أن هناك من يتلاعب بالليرة لأسباب سياسية عدة، منها دفع أردوغان لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أو التأثير على شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات 2023 التي بدأت مرحلة التسخين من الآن؟

أو أن الضغط على الليرة التركية يأتي من قبل بعض الأطراف الخارجية بهدف دفع حكومة أردوغان للعودة مجددا إلى سياسة التوسع في الاقتراض الخارجي واللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهو الفخ الذي أفلتت منه الحكومات المتعاقبة على حكم تركيا التي ترفض التعامل مع تلك المؤسسات؟

وبالتالي حرق الرئيس التركي أمام شعبه، خاصة أن صندوق النقد يأتي ومعه سياساته التقشفية وشروطه المجحفة، ومنها رفع الأسعار والضرائب وتعويم العملة وخفض الدعم.

من بين الأسئلة المطروحة كذلك: ما هي الأدوات المتاحة أمام الحكومة التركية للتعامل مع أزمة تهاوي الليرة، خاصة مع تأثيراتها الخطيرة على المستهلك وتضخم الأسعار وتكلفة الإنتاج؟

وهل تستطيع الحكومة أصلاً وقف هذا التهاوي مع زيادة كلفة الواردات، خاصة بند الوقود "بنزين وسولار وغاز وغيره" الذي قفز مع الزيادات الأخيرة في سعر النفط والغاز الطبيعي؟ أو مع زيادة كلفة الاقتراض الخارجي، خاصة مع زيادة سعر الفائدة على الدولار والعملات الرئيسية؟

ولماذا لم تلجأ الحكومة لسلاح احتياطي النقد الأجنبي لوقف تهاوي الليرة، خاصة أن تركيا تمتلك احتياطيا ضخما يتجاوز 120 مليار دولار، إضافة إلى أطنان من الذهب.

وهل سيرفع أردوغان يده عن البنك المركزي، وبالتالي، تتم زيادة سعر الفائدة على العملة المحلية لمحاربة التضخم والمحافظة على قيمة الليرة، أم سيواصل تلك السياسة، وبالتالي يصر البنك المركزي على خفض سعر الفائدة مخالفا بذلك المعايير العالمية؟

أخيرا: هل تهاوي قيمة العملة يعني انهيار اقتصاد الدولة، وأحد مظاهر الإخفاقات الاقتصادية للحكومة القائمة، كما يردد البعض، خاصة مع حالة اقتصاد قوي مثل الاقتصاد التركي الذي يصنف ضمن اقتصادات مجموعة العشرين الأقوى عالميا؟

وهل صحيح أن العملة مثل العلم ترمز إلى هيبة الدولة واحترامها، وأن قيمة العملة من احترام الدولة كما قال أردوغان نفسه، ولذا يتم التعامل معها باعتبارها خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منها والمساس بها؟

المؤكد هنا أن معركة تهاوي الليرة التركية باتت في قلب المعركة السياسية والتراشق بين الأحزاب داخل تركيا، وأصبحت إحدى أدوات المعارضة في الهجوم الشرس على أردوغان، وهذا أمر خطر في حد ذاته.

وأن السبب في استمرار التهاوي لا يكمن فقط في المؤامرات الخارجية والعوامل النفسية، كما يقول المدافعون عن أردوغان وسياساته الاقتصادية، وإنما هناك أسباب سياسية واقتصادية حقيقية وراء هذا التراجع ذكرتها في مقالات سابقة.

والمؤكد أيضا أن التهاوي المستمر للعملة التركية يخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي في البلاد، وفي ظل وجود هذه الحالة، فإن من الصعب على أي حكومة وضع خطط طويلة الأجل، أو حتى قصيرة ومتوسطة الأجل، لمكافحة تضخم الأسعار والبطالة والفقر وجذب الاستثمارات الخارجية وخفض تكلفة الإنتاج وتشجيع الصناعة، وهذا يربك المشهد الاقتصادي كله.

السؤال: هل سينجح أردوغان في التغلب على أزمة الليرة الحالية وهو الذي نجح في معارك سياسية واقتصادية أكثر ضراوة وأشد خطرا؟ منها الانقلاب العسكري في العام 2016، ومعركة كورونا، وتصفير ديون تركيا لدى صندوق النقد الدولي.

وقبلها، نجح في تحويل دولة مفلسة ومتعثرة إلى واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية، وأحد أعضاء مجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الكبرى.

كما أعاد الاعتبار للعملة التركية التي كان الطن منها يساوي دولارا واحدا من خلال حذف الأصفار كما تم في بداية العام 2005 حيث تم حذف 6 أصفار، وكانت التعامل اليومي يتم بالمليون ليرة.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد