السبت 20 نوفمبر 2021 07:20 ص

تونس: الشعب يريد أم الرئيس يريد؟

هل يحق لسعيّد أن يُقصي من لا يؤيدونه من شعب تونس وأن يهينهم ويصفهم بتلك الأوصاف المهينة؟

لجأت حكومة سعيّد للتفاوض مع صندوق النقد بشأن تمويل جديد لكنه لا يقرض بلد يعيش تحت وطأة «إجراءات استثنائية»!

تعلن بيانات قيس سعيّد الرئاسية دون تواضع أو مراعاة لمنطق عقلي بسيط أن «الشعب يريد» وبالتالي لا ضرورة لاحترام الدستور الذي أقسم على احترامه!

يتركز جهد الرئيس على احتكار السلطات وبعد الإطاحة بالحكومة والبرلمان يعد للسيطرة على القضاء ما قد يؤدي لإحكام سيطرته على البلاد لكنّها كارثة لشعب تونس.

*     *     *

ما زال الرئيس التونسي، قيس سعيّد، لا يفعل، منذ قراره بالانقلاب على الحكومة والبرلمان، سوى تركيز السلطات بين يديه، والحديث عن نفسه، مثلما يفعل أغلب الحكام في الأنظمة الشمولية والمطلقة، باعتباره الناطق الأوحد باسم الشعب التونسي، بحيث تعلن بياناته الرئاسية، من دون أي تواضع أو مراعاة للمنطق العقلي البسيط، عن أن «الشعب يريد» كذا وكذا.

بما أن «الشعب يريد» فلا ضرورة إذن لاحترام الدستور الذي أقسم سعيّد على احترامه، وقام بتأويل واحدة من فقراته لاستلاب السلطات، ولا لاحترام نظرائه ممن انتخبهم الشعب نفسه، كما هو حال المنصف المرزوقي، الذي تحوّل بقدرة جملة «الشعب يريد» المزعومة إلى خائن وعميل للقوى الأجنبية، والنواب الذين أقفل سعيّد أبواب البرلمان أمامهم، بل ومنع حتى عنهم رواتبهم.

يستند سعيّد في شرعيّته الرئاسية بالتأكيد على التونسيين الذين انتخبوه، ولكن هل يحق لسعيّد أن يُقصي من لا يؤيدونه من ذلك الشعب نفسه وأن يهينهم ويصفهم بتلك الأوصاف المهينة؟

هل الشعب هو كتلة جامدة تم تطويبها لصالح سعيّد، وإذا كان «الشعب يريد» فعلا، فلماذا استعان سعيّد بقوات الجيش والشرطة لفرض إرادته على من انتخبهم الشعب إلى البرلمان، وإذا كان بعض هؤلاء أساء تمثيل الشعب فلماذا لا يترك الناطق باسم الشعب لذلك الشعب الذي يدّعي النطق باسمه حق محاسبة أولئك في انتخابات نيابية جديدة؟

قال سعيّد، في آخر تصريحاته التي صدرت أمس الخميس، إنه يعمل على «وضع جدول زمني لإصلاح النظام السياسي» وأن «الشعب يريد تطهير البلاد» مضيفا إنه «لا يمكن تنفيذ ذلك إلا بقضاء عادل فوق كل الشبهات»!

رغم أن جزءا من هذه التصريحات يبدو تراجعا عن رفضه لمطالبات قوى سياسية له بـ«خريطة طريق» (وحينها قال ساخرا إن عليهم أن يذهبوا إلى كتب الجغرافيا!) لكنها لا تخرج في منطوقها العام عن الرغبة المتزايدة في تكثيف السلطات بين يديه أكثر فأكثر!

وهذا ما يفسر قوله إن «الشعب يريد تطهير البلاد» أما الحديث عن «قضاء عادل فوق كل الشبهات» فهو إشارة إلى أن الهدف المقبل الذي يعمل على السيطرة عليه هو القضاء التونسي.

من الواضح أن الرئيس التونسي لا يعيش مع «الشعب» في بلد واحد، فحسب «المعهد الوطني للإحصاء» فإن العجز في الميزان التجاري في تونس يعادل 4.15 مليار دولار، وقد وصلت نسبة البطالة 18,4% خلال الثلث الثالث من العام الجاري، وحسب تقرير حول أوضاع مالية البلاد، فإن تونس تحتاج إلى قرابة 3.5 مليار دولار مع نهاية الشهر المقبل لإكمال موازنتها للعام الحالي.

تمكنت حكومة بودن، حتى الآن، من تأمين ثلث هذا التمويل من دائنين عاديين (مثل بنك التنمية الأفريقي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ووكالات التنمية الألمانية والفرنسية) وبعض «الدول الشقيقة» غير أن تلك الدول، التي تحدث عنها سعيّد بعد انقلابه، والتي وعدته بمساعدة تونس (أي بتقديم أموال لتغطية انقلابه) قد تراجعت إلى حد كبير عن تلك الوعود، كما من الواضح أن رئيسة حكومته نجلاء بودن، قد عادت من زيارتها الأخيرة إلى الرياض، بخفّي حنين، أما لقاؤها بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش «المؤتمر الدولي حول ليبيا» في باريس، فعادت منه بالحديث عن «استلهام» التجربة المصرية!

لتغطية هذا العجز لجأت حكومة سعيّد إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج تمويل جديد، لكن منظومة التمويل الدولية لا يمكن أن تقوم بتقديم قروض لبلد يعيش تحت وطأة «إجراءات استثنائية»!

حيث يتركز جهد الرئيس على جمع السلطات في يديه، ويتجهز، بعد الإطاحة بالحكومة والبرلمان للسيطرة على القضاء، وهي طريق قد تؤدي لإحكام سعيّد سيطرته على البلاد لكنّها طريق كارثية، بالتأكيد، لشعب تونس.

المصدر | القدس العربي