الخميس 25 نوفمبر 2021 01:22 م

الليرة التركية وحقيقة "معركة الاستقلال"

هل وافق تهاوي سعر الليرة هوى الحكومة التي تسعى لإحداث طفرة في الصادرات التي تجاوزت بالفعل 200 مليار دولار خلال 2021؟

داخليا هناك سباق محموم من قبل الأتراك على شراء الدولار واليورو والذهب حفاظا على ما تبقى من ثرواتهم والحيلولة دون تآكل مدخراتهم.

هناك دول تضغط على تركيا للعودة للاقتراض من صندوق النقد الدولي وبالتالي الخضوع لشروطه القاسية والمجحفة بحق المواطن والاقتصاد.

الحكومة لا تريد أن يستدرجها المضاربون للتضحية باحتياطي النقد الأجنبي والمتوافر لدى البنك المرزي والدخول في معركة ليست في صالحها الآن!

يجد أردوغان أن خفض سعر الفائدة مطلب جماهيري لقطاع كبير من الشارع يعتبرها دينيًا "ربا" أو لقطاع الأعمال والصناعة إذ خفض الفائدة يقلل تكلفة الإنتاج ويزيد أرباح الشركات.

*     *     *

دعونا نضع عدة أمور بجانب بعضها حتى نحاول فهم ما يدور في تركيا من تهاو غير مسبوق لعملتها، الليرة، وقفزات في أسعار السلع والخدمات لم تشهدها البلاد منذ سنوات.

خارجياً، هناك ضغوط على أردوغان من عدة أطراف بهدف التأثير على شعبيته وشريحة ناخبيه عبر إثارة الاضطرابات ليس فقط في سوق الصرف الأجنبي، أو التأثير على الاقتصاد التركي، ولكن بهدف أكبر وهو إهالة التراب على تجربة حزب العدالة والتنمية الاقتصادية والسياسية بالكامل وإزاحته عن الحكم.

وهناك دول تضغط على تركيا للعودة للاقتراض من صندوق النقد الدولي، وبالتالي الخضوع لشروطه القاسية والمجحفة بحق المواطن والاقتصاد، فلا دولة أفضل من أخرى في ظل كورونا وزيادة الدين العام العالمي وأزمات التضخم وتراجع السيولة والإيرادات الدولارية.

ومعروف أن أردوغان يتخذ موقفا متشددا من الصندوق، بل ويهاجم سياساته من وقت لآخر، خاصة أن تركيا أصبحت في العام 2015 ولأول مرة بلا ديون لصندوق النقد منذ 52 عاما.

خارجيا أيضا هناك دول تضايقها مزاحمة الصادرات التركية لمنتجاتها في الأسواق العالمية أو حتى داخل أسواقها المحلية، وبالتالي تحاول عرقلة محاولة تركيا استغلال أوضاع كورونا ومشاكل سلاسل التوريد ومضاعفة صادراتها والوصول بقيمتها إلى 300 مليار دولار في فترة تقل عن 5 سنوات.

داخليا يجب أن نرصد عدة أمور منها السباق المحموم من قبل الأتراك على شراء الدولار واليورو والذهب حفاظا على ما تبقى من ثرواتهم، والحيلولة دون تآكل مدخراتهم.

وهذه ظاهرة جديدة على المجتمع التركي الذي طالما دافع عن عملته في مواجهة المضاربات الخارجية والضغوط التي مارستها دول وبنوك استثمار دولية كما جرى في أغسطس/آب 2018 عندما شن دونالد ترامب حربا شرسة على الليرة التركية على خلفية معارك وخلافات سياسية مع أنقرة في ذلك الوقت، خاصة في الملف السوري وصفقة الطائرات الروسية.

يواكب هذا السباق تحرك بطيء من قبل البنك المركزي التركي لمعالجة تهاوي العملة مقابل الدولار واضطرابات سوق الصرف.

وهنا نحن أمام عدة تفسيرات لهذا البطء الذي واكبه صمت ملفت من قبل الحكومة على ما يجري، منها أن التهاوي جاء على هوى الحكومة التي تسعى لإحداث طفرة في الصادرات التي تجاوزت بالفعل 200 مليار دولار خلال العام الجاري.

أو أن الحكومة لا تريد أن يستدرجها المضاربون للتضحية باحتياطي النقد الأجنبي والمتوافر لدى البنك المرزي والدخول في معركة ليست في صالحها الآن، أو أنها لا تريد الانجرار لها في الوقت الحالي.

أو أن أولوية الحكومة حاليا هي الالتزام بسداد الديون الخارجية وفاتورة الواردات، وليس من أولوياتها مكافحة التضخم والمضاربة في العملة وضبط سوق الصرف.

داخليا أيضا، يجد أردوغان أن قضية خفض سعر الفائدة مطلب جماهيري سواء لقطاع كبير من الشارع الذي يعتبرها "ربا" من الناحية الدينية، أو لقطاع المال والأعمال والصناعة، حيث إن خفض الفائدة في صالحه لأنه يقلل تكلفة الإنتاج ويزيد أرباح الشركات، وبالتالي لا يريد التخلي عن هذه القضية الانتخابية.

مشهد آخر لا يجب تغافله داخليا وهو أن المعارضة ترى أن الفرصة الحالية ذهبية لإخراج أردوغان من المشهد التركي والحياة السياسية، وبالتالي تعمل على إثارة المواطن وزيادة منسوب الخوف لديه على معيشته ومستقبله، وربما دفعه نحو تخزين الدولار واليورو والذهب، ودفعه أيضا للضغط على الحكومة والقبول بفكرة الانتخابات المبكرة عبر الملف المعيشي والاقتصادي.

وسط هذه الاعتبارات الداخلية والخارجية فإن اللافت أن أردوغان لم يدعُ هذه المرة الأتراك للدفاع عن عملتهم، ولم يستدع شعارات منها أن العملة مثل علم الدولة وأنها خط أحمر، وأن هناك مؤامرة على الليرة.

بل تحدث عن حرب الاستقلال الاقتصادي "وأننا سنخرج منتصرين فيها"، واللافت أنه لم يدع الأتراك كالعادة لمواجهة المضاربات المحمومة على الليرة، لأن أردوغان يدرك أن المضاربة هذه المرة تأتي من الداخل وليس من الخارج، وأن المواطن بات يتململ من التضخم العالي وربما بدأ يفقد الثقة في عملته.

الليرة سترتفع قيمتها خلال الفترة المقبلة خاصة مع تحسن مؤشرات الاقتصاد التركي وستتحسن مقابل الدولار، لكن بشرط أن يرفع أردوغان يده عن البنك المركزي، وألا يعتبر قضية خفض سعر الفائدة أولوية في ظل الظروف الحالية التي تشهد زيادة في التضخم!

والأهم أن يعمل البنك المركزي والحكومة على إعادة ثقة المواطن في عملته، لأن هذه الخطوة كفيلة بتوقف الأتراك عن المضاربة في سوق الصرف، والحد من ظاهرة "الدولرة"، وإعادة السيولة الدولارية التي تراكمت في بيوت الأتراك إلى البنوك وشركات الصرافة، وبالتالي تعويض النقص الحاصل في سوق النقد الأجنبي.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد