السبت 4 ديسمبر 2021 07:20 ص

صندوق النقد.. وديون الدولار

مع اتجاه البنوك المركزية لتيسير السياسات النقدية يواجه العالم هوةً خطيرةً بين الناتج والدين حيث يمثل الدين ثلاثة أضعاف ونصف الناتج الإجمالي.

يمارس الصندوق ثلاثة أدوار أساسية: تبدأ بالرقابة الاقتصادية وفي ضوئها يأتي الدور الثاني بتقديم برامج قروض التمويل ثم الدور الثالث بتحقيق التنمية!

تبرز خطورة هيمنة الدول الكبرى مع تفاقم ديون العالم لمستويات غير مسبوقة إلى 297 تريليون دولار بما يعادل 353% من الناتج العالمي متأثراً بكورونا.

يركز الصندوق على استرجاع أمواله كشرط أساسي لإقراض الدول المحتاجة وهو أمر مرتبط بمسار تعقيدات بيروقراطية وتقنية ثم قرارات سياسية يتخذها المجلس التنفيذي.

*     *     *

منذ نحو 77عاماً، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبموجب اتفاقية «بريتون وودز»، أنشئ صندوق النقد الدولي الذي يضم حالياً 189 بلداً، وهو يسعى إلى بناء نظام اقتصادي دولي أكثر استقراراً.

ويستهدف منع وقوع الأزمات، عن طريق تشجيع البلدان الأعضاء على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة، تتيح لها الاستفادة من موارده المالية، لمعالجة مشكلاتها في تراكم الديون، وعجز ميزان المدفوعات، واستقرار أسعار الصرف، وتحقيق النمو المنشود، وذلك مقابل ضمانات كافية، توفر لها القدرة للاستجابة لشروط برامجه التمويلية، وتمكنها من دفع الأقساط في مواعيدها.

ولتحقيق مهمته، يمارس الصندوق ثلاثة أدوار أساسية: تبدأ بالرقابة الاقتصادية التي يتم في ضوئها الانتقال للدور الثاني بتقديم برامج قروض التمويل، ثم يأتي الدور الثالث بتحقيق التنمية.

وبما أن الشكوك تبرز دائماً في ممارسة دور الرقابة على المقترضين لتنفيذ شروطه، فقد ركز في تقريره السنوي للعام الحالي على فصل تحت عنوان «تقييم الضمانات الوقائية».

حيث يقول: «عندما يقدم الصندوق تمويلاً لأحد البلدان الأعضاء، عادة تجرى عملية تقييم للضمانات الوقائية للحصول على تأكيدات بأن البنك المركزي لهذا البلد قادر على إدارة الموارد التي يحصل عليها، وتوفير بيانات نقدية موثوقة عن البرنامج الذي يدعمه. وتشمل الضمانات المطلوبة خمسة مجالات: آلية تدقيق خارجي، آلية تدقيق داخلي، هيكل قانوني، إطار إعداد التقارير المالية، والضوابط الداخلية».

وهكذا يركز الصندوق على استرجاع أمواله كشرط أساسي لموافقته على طلبات إقراض الدول المحتاجة، وهو أمر مرتبط بمسار فيه الكثير من التعقيدات البيروقراطية والتقنية، وصولاً إلى القرارات السياسية التي يتخذها المجلس التنفيذي بإجماع أصوات الدول الأعضاء (85%)، وأي تصويت بالاعتراض، لاسيما من الولايات المتحدة التي تملك حصة توازي 17%، يلغي الموافقة، خصوصاً أن هذا الاعتراض يكون منسَّقاً مع معظم الدول الغربية.

ومن هنا تبرز خطورة هيمنة الدول الكبرى، مع تفاقم حجم الديون العالمية الذي بلغ مستويات غير مسبوقة إلى 297 تريليون دولار، وبما يعادل 353% من الناتج المحلي العالمي، متأثراً بتداعيات جائحة كورونا. ويلاحظ أن نحو 62 دولة من الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، تقع تحت أعباء دين بقيمة 691 مليار دولار.

ومع اتجاه البنوك المركزية لتيسير السياسات النقدية، يواجه العالم هوةً خطيرةً بين الناتج والدين، حيث يوازي الدين ثلاثة أضعاف ونصف (3.5) الناتج.

لكن مخاطرها، مرتبطة بالتفاوت الواسع الحاصل بين الدائن والمدين. فالدول الفقيرة تغرق في الديون التي قد تصبح مستدامةً، ما يجعلها مستباحة أمام الدول الدائنة التي تمارس عليها أشكالاً من الضغوط والنفوذ، للسيطرة على قرارها السيادي.

وإذا كان الهدف الرئيس المعلن للصندوق من مساعدة الدول ذات الديون المرتفعة، هو القضاء على الفقر، فإن شروطه التي يفرضها تدل (في رأي الكثير من خبراء المال والاقتصاد) على أن هدفه فرض سيطرته على اقتصاديات الدول والتحكم بثرواتها ومواردها، وهو يعمل كوكالة «فوق وطنية»، لفرض السياسات الاقتصادية التي توقع البلاد في هوة الديون أكثر فأكثر، وتفتح السوق أمام رؤوس الأموال الأجنبية، ولاستغلال الشركات العالمية، بشكل لا تستطيع معه الدول المدينة الخروج من«مصيدة ديون الدولار»، الأمر الذي يعزز دعامة عالمية لنظام عملة الولايات المتحدة، وهي الدولة المضيفة للصندوق والتي تسيطر على مسيرة الاقتصاد العالمي.

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية

المصدر | الاتحاد