الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 05:25 ص

قد يكون التعرّض للحرارة الشديدة قاتلا لأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى تكييف الهواء. وبصرف النظر عن كونها تهديدا مباشرا لحياة الإنسان، فإن آثار تغير المناخ ودرجات الحرارة المرتفعة لديها القدرة على الانتشار والتأثير على جميع قطاعات الاقتصاد.

ولقد كان من المفهوم منذ فترة طويلة أن النشاط الاقتصادي والظروف المناخية مرتبطان. وحددت هذه العلاقة بين المناخ والاقتصاد حجم ونطاق الأسواق في العديد من البلدان، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. وفي عام 2020، خلص المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن تغير المناخ يصنف على أنه أكبر خطر على الاقتصاد العالمي.

المناخ والاقتصاد

وفي حين أن الغازات الدفيئة ليس لها حدود جغرافية، يختلف تأثيرها بشكل كبير في جميع أنحاء العالم. وتشير ورقة بحثية نُشرت في دورية "نيتشر" إلى أنه في ظل السياسات المناخية الحالية التي تسير في طريقها إلى ارتفاع متوسط ​​درجة الحرارة بمقدار 2.9 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة بحلول نهاية القرن، فإن البلدان الأكثر ضعفا في العالم ستعاني من متوسط ​​خسارة في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ حوالي 20% بحلول عام 2050، وما يزيد عن 60% بحلول عام 2100.

وفي الشرق الأوسط، من المتوقع أن يعاني السودان أكثر من غيره؛ حيث من المتوقع أن ينخفض ​​الناتج المحلي الإجمالي بنحو 32% بحلول عام 2050 وبنسبة تزيد عن 80% بحلول عام 2100 نتيجة لتغير المناخ.

والقطاع الأكثر معاناة في الاقتصاد هو الزراعة. وقد يؤدي التعرض لدرجات حرارة عالية إلى خسائر في الإنتاج الزراعي حيث يؤثر الإجهاد الحراري سلبا على نمو النبات والإنتاجية الحيوانية. وبمرور الوقت، من المرجح أن يزيد الإجهاد الحراري من التعرض للأمراض ويقلل من إنتاج الألبان.

ووفقا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2018، من المتوقع أن ينخفض ​​إنتاج المحاصيل في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 30% في حالة ارتفاع درجة حرارة 1.5 درجة مئوية إلى 2 درجة مئوية بحلول عام 2025. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة للغاية إلى تفاقم الوضع السيئ بالفعل في هذا القطاع.

ومن ناحية، تعد الزراعة أكبر مستهلك للمياه في الشرق الأوسط، حيث تستخدم ما بين 78% إلى 87% من جميع الموارد. وسوف تضيف درجات الحرارة المرتفعة مزيدا من الضغط على جداول الري من حيث التكرار والكمية. ومن ناحية أخرى، يمكن القضاء على النشاط الزراعي والشركات لأنها لا تساهم بشكل كبير في اقتصادات المنطقة، سواء من حيث الناتج المحلي الإجمالي أو الصادرات، بما يتناسب مع كمية الموارد التي تستخدمها. ويترجم هذا إلى خطر محتمل يتمثل في عدم الاستقرار الاقتصادي والاضطرابات في سلسلة الإمداد الغذائي.

وبالمثل، فإن قطاع السياحة في الشرق الأوسط سيفقد حصة كبيرة من السوق بسبب تغير المناخ. وفي عام 2018، ساهمت السياحة بمبلغ 270 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، أو نحو 9% من الاقتصاد. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، اعتبارا من عام 2020، كان لقطاع السياحة، في المتوسط​​، حصة 13% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالرغم من أن الوباء أدى إلى تباطؤ السفر، إلا أن القطاع يحاول التعافي الآن.

وربما يكون تأثير تغير المناخ على القطاع رحلة ذهاب بلا عودة. وفي الأردن، يستقبل البحر الميت، الذي كان يجتذب نحو 1.5 مليون زائر كل عام، بضعة آلاف فقط، بعد أن تقلص بنسبة الثلث تقريبا بسبب انخفاض هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. والإسكندرية، في مصر، موطن إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة بالإضافة إلى مكتبة ضخمة من عدة طوابق، تواجه فيضانات وانهيار مباني وخسائر في الأرواح نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر.

علاوة على ذلك، عانت بعض البلدان الأكثر جفافا في المنطقة من الفيضانات نتيجة العواصف الشديدة المفاجئة. على سبيل المثال، تعرضت جدة، في السعودية، لعواصف مفاجئة أودت بحياة 30 شخصا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018. وزادت فترات الطقس الجاف من مخاطر الحرائق في الجزائر، التي عانت من حرائق الغابات المدمرة التي أودت بحياة 90 شخصا في أغسطس/آب الماضي.

التأثير على أنظمة الطاقة

ولا تختلف أنظمة الطاقة عن قطاعي السياحة والزراعة من حيث القابلية للتأثر بتغير المناخ. على سبيل المثال، سيرتفع الطلب على الطاقة لتبريد الجو بسبب زيادة متوسط ​​درجة الحرارة. وفي عام 2015، قدر أن 80% من إجمالي الطاقة في الشرق الأوسط يستخدم لأنظمة التبريد. وتواجه هذه البلدان تحديات في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، لا سيما خلال أشهر الصيف، ويمكن أن تواجه أعطالا متكررة في الشبكة وانقطاع التيار الكهربائي لاحقا.

وسيؤدي نقص الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي بدوره إلى آثار اجتماعية واقتصادية سلبية. وتعتبر أنظمة التبريد ضرورية للحفاظ على الحياة أثناء درجات الحرارة المرتفعة للغاية، وقد يؤثر انقطاع التيار الكهربائي بشكل كبير على الأنشطة اليومية للسكان المحليين.

ونظرا للتأثير السلبي لدرجات الحرارة المرتفعة، فمن أجل مكافحة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المتزايدة، يجب على صانعي السياسات في مجلس التعاون الخليجي النظر في سياسة متكاملة لتغير المناخ تساعد على تمكين صانعي القرار من تخصيص الموارد الطبيعية بطريقة مستدامة ومتكاملة وكذلك تحقيق صافي صفر من انبعاثات الكربون.

ويجب على الشرق الأوسط والدول الأخرى في جميع أنحاء العالم أن تأخذ تغير المناخ في الاعتبار في تخطيطها الاستراتيجي من أجل ضمان التنمية الاقتصادية جنبا إلى جنب مع اقتصاد مرن للمناخ. ولسوء الحظ، يعتبر مفهوم السياسة المناخية المتكاملة جديدا نسبيا على دول الشرق الأوسط على وجه الخصوص.

وأخيرا، والأهم من ذلك، أطلق مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى في المنطقة مبادرات تغير المناخ لتقليل الانبعاثات والتكيف مع درجات الحرارة المرتفعة. على سبيل المثال، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، كشف الشيخ "خالد بن خليفة" في قطر عن الاستراتيجية الوطنية للبيئة والمناخ في محاولة للتخفيف من آثار تغير المناخ. وبموجب الخطة، تأمل الدولة في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 25% على الأقل بحلول عام 2030.

وتشمل الأهداف الأخرى تقليل استخراج المياه الجوفية بنسبة 60%، وتقليل الاستهلاك المنزلي اليومي للمياه بمقدار الثلث، ومضاعفة تحلية المياه عن طريق التناضح العكسي، بالإضافة إلى إعطاء الأولوية للإنتاج الزراعي المستدام من خلال دفع أكثر من 50% من التحسين في إنتاجية الأراضي الزراعية.

وتؤكد المبادرة على أهمية تحقيق التوازن بين الأهداف والمصالح المختلفة بين مستهلكي الموارد. وسيؤدي ذلك إلى تحسين الأمن وتسريع الانتقال نحو اقتصاد مرن للمناخ بالإضافة إلى دفع استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره في قطر والشرق الأوسط والعالم.

المصدر | سعد شناق - فير أوبزرفر - ترجمة وتحرير الخليج الجديد