غطت وسائل الإعلام الإسرائيلية بكثافة اعتقال واستجواب السائحين الإسرائيليين "ناتالي" و"موردي أوكنين" في تركيا في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بتهمة التجسس، كما تعاملت معها العديد من القنوات السياسية والدبلوماسية، بما في ذلك المشاركة المباشرة لوزير الخارجية الإسرائيلي "يائير لابيد" ورئيس الوزراء "نفتالي بينيت".

ولضمان إطلاق سراح الزوجين، تصرفت إسرائيل على عدد من المستويات؛ على صعيد الموساد ونظيره التركي، وعلى صعيد وزارة الخارجية والممثلين الدبلوماسيين الإسرائيليين في تركيا مع المسؤولين المقربين من "أردوغان"، كما كان هناك طريق تواصل آخر بين الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" والرئيس الإسرائيلي "يتسحاق هيرتسوج"، حيث تعتبر أنقرة "هيرتسوج" شخصًا يمكن أن تتعاون معه، والذي طور علاقات شخصية جيدة مع دائرة القيادة التركية، وفي يونيو/حزيران 2021، هنأ "أردوغان" الرئيس "هيرتسوج" في مكالمة هاتفية مدتها 40 دقيقة بمناسبة تولي الأخير لمنصبه.

وعلى ما يبدو، فقد نظرت القيادة الإسرائيلية في قناة للمناقشة عبر بلد ثالث (المملكة المتحدة أو أذربيجان)، لكنها لم تحتج هذا الخيار في نهاية المطاف.

وبعد إطلاق سراح الزوجين ووصولهم إلى إسرائيل في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، أجرى "هرتزوغ" و"أردوغان" محادثة هاتفية أخرى، وتكلم "بينيت" و"أردوغان" على الهاتف لمدة 15 دقيقة للمرة الأولى، وشكر الزعماء الإسرائيليون "أردوغان" على عمله في إطلاق سراح الزوجين.

وفي المحادثة مع "هيرتسوج" قال الرئيس التركي: "العلاقات بين تركيا وإسرائيل مهمة لأمن واستقرار الشرق الأوسط، يمكن تقليل الاختلافات في الرأي إذا تصرفنا بتفاهم متبادل للقضايا الثنائية والإقليمية، ومن بين أولويات أنقرة، تجديد عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين".

بادرات تركية بلا استجابة

منذ عام 2018، لم يكن هناك تمثيل دبلوماسي رفيع المستوى متبادل بين البلدين، بعد أن قررت تركيا (ردا على قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، والاشتباكات بين سكان قطاع غزة وقوات الأمن الإسرائيلية على طول السياج الحدودي) استدعاء سفيرها في إسرائيل وأمرت السفير الإسرائيلي في أنقرة بالعودة إلى إسرائيل للمشاورات، كما عاد القنصل الإسرائيلي في إسطنبول والقنصل التركي في القدس إلى بلدانهم.

ومع ذلك، فخلال العام الماضي، أشارت تركيا إلى إسرائيل بعدة طرق أنها تسعى لتحسين العلاقات، ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2020 قال "أردوغان" إنه مهتم بتحسين العلاقات مع إسرائيل، لكنه استدرك تصريحاته بقوله إن تركيا لديها مشكلة مع أولئك الموجودين في قيادة إسرائيل، وأن القضية الفلسطينية خط أحمر لتركيا، وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأنه يتم النظر في تعيين سفير تركي في إسرائيل.

وخلال حرب غزة الأخيرة في مايو/أيار 2021، هاجم "أردوغان" إسرائيل بشدة، ونشرت وسائل الإعلام التركية رسائل معادية للإسرائيلية.

وتم إجراء أول محادثة بين "أردوغان" و"هيرتسوج" في يونيو/حزيران 2021؛ وكان من الملحوظ طولها وحدوثها في وقت عادي، وليس خلال أزمة، وأرسلت تركيا أيضا ملحقًا ثقافيًا لإسرائيل لأول مرة منذ عقد.

لكن رد إسرائيل على هذه الإشارات من الجانب التركي كان مترددًا، فيما يعود جزئيا لعدم وضوح مدى إخلاص تركيا في رغبتها في إعادة ضبط العلاقات، وما إن كانت مجرد محاولة لعرقلة العلاقات الوثيقة بين إسرائيل واليونان وقبرص.

سياق أوسع لا يمكن إهماله

ينبغي النظر إلى جهود تركيا لتحقيق ذوبان في جليد العلاقات مع إسرائيل في السياق الأوسع لرغبة أنقرة في الهروب من انعزالها الإقليمي وتحسن العلاقات مع الجهات الفاعلة الأخرى في الشرق الأوسط.

كما هدفت جولتان من المفاوضات عقدتا في مايو/أيار وسبتمبر/أيلول 2021 بين تركيا ومصر، إلى خلق ظروف تمهد لعودة سفراء البلدين إلى أنقرة والقاهرة، وقيدت أنقرة حرية عمل أعضاء جماعة "الإخوان المسلمون" المصريين الذين لجؤوا لتركيا، من أجل تحسين العلاقات مع القاهرة.

وبذلت تركيا جهود مصالحة أخرى مع الإمارات، ورغم أن أنقرة تعتبر الإمارات أحد الأطراف وراء محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا في عام 2016 -مما ترتب عليه الكثير من العداء- إلا إن ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" زار أنقرة في 24 نوفمبر/تشرين الثاني للمرة الأولى منذ عقد.

ويمكن أن يعزى تغيير التوجه إزاء الإمارات إلى حاجة تركيا للاستثمارات الأجنبية (أعلنت الإمارات خلال الزيارة من بين جملة أمور عن إنشاء صندوق بقيمة 10 مليار دولار للاستثمارات في تركيا).

كما قدّرت تركيا الإجراءات التي اتخذتها سلطات الإمارات لعرقلة تدفق فيديوهات "يوتيوب" المحرجة سياسيًا لعضو من المافيا التركية الذي وجد ملجأ له في دبي.

حاولت تركيا أيضا تحسين علاقاتها مع السعودية، وأجرى "أردوغان" والملك السعودي "سلمان" محادثات هاتفية خلال العام الماضي.

أرض إسرائيلية تركية مشتركة

تعد حالة العلاقات بين أنقرة والقدس معقدة، فعلى الرغم من تدهور العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين تركيا وإسرائيل، استمرت التجارة الثنائية في النمو في السنوات الأخيرة. كما أن تركيا لديها توازن إيجابي للتجارة مع إسرائيل؛ حيث يتكون ثلثا التجارة الثنائية من الصادرات التركية إلى إسرائيل.

أما على صعيد السياحة، فقد قام نصف مليون سائح إسرائيلي بزيارة تركيا في عام 2019، وهو نفس العدد الذي كان عليه السياح قبل حادث سفينة "مافي مرمرة" (على الرغم من أن هذا الرقم يعكس أيضا زيادة كبيرة في عدد المواطنين العرب الإسرائيليين الذين يزورون تركيا، بالمقارنة مع الفترة السابقة)، ولكن على النقيض من ذلك، فإن عدد السياح الأتراك الذين يزورون إسرائيل منخفض للغاية.

وبما إن تركيا تمر حاليًا بأزمة اقتصادية، تتسم بانخفاض حاد في قيمة الليرة التركية ونقص العملة الأجنبية، فقد أصبحت هذه العلاقات الاقتصادية أكثر قيمة وأهمية للأتراك، ومن المؤكد أنها كانت عنصرا مهما في منع انفصال كامل بين أنقرة والقدس خلال سنوات الأزمة، ويمكن أن تكون بمثابة أساس لتحسين العلاقات بينهما.

هناك مسرح آخر تتحد فيه مصالح إسرائيل وتركيا، ويتمثل في أذربيجان، فأذربيجان هي أقرب شريك لتركيا، ويحب الشعبان دعوة أنفسهم بأنهم "أمة واحدة ودولتان"، كما إن أذربيجان بالنسبة لإسرائيل حليفة استراتيجية في صراع إسرائيل مع إيران، وكذلك مزود طاقة مهم، وبناء على هذه المصالح، تمكنت باكو من تطوير علاقات ممتازة مع كل من أنقرة والقدس.

وفي خريف عام 2020 عندما استخدمت أذربيجان كل من الأسلحة الإسرائيلية والتركية لهزم أرمينيا، أصبحت باكو مكانا تعاونت فيه إسرائيل وتركيا بشكل غير مباشر، على الرغم من أن استمرار تطوير صناعة الدفاع التركية قد يؤدي إلى وضع مستقبلي تتنافس بموجبه البلدان ضد بعضهما البعض لتزويد جيش أذربيجان بالأسلحة.

نقاط احتكاك حادة

على الصعيد الآخر، فإن هناك العديد من نقاط الاحتكاك بين أنقرة والقدس، مثل دعم تركيا لجماعة "الإخوان المسلمون" وخاصة "حماس"، فيما يمثل مشكلة بالنسبة لإسرائيل.

وبالنظر إلى التقارب الأيديولوجي بين جماعة "الإخوان المسلمون" والحكومة التركية، واتفاقية إطلاق سراح الجندي الجندي المخطوف "جلعاد شاليط" التي وافقت تركيا بموجبها على استضافة الأسرى المفرج عنهم في أراضيها، أصبحت إسطنبول أحد أهم مراكز نشاط "حماس" في العالم.

وتتهم إسرائيل أنقرة بالسماح لأعضاء "حماس" بحرية عمل مفرطة على الأراضي التركية، ففي نوفمبر/تشرين الثاني على سبيل المثال، انكشفت منظمة واسعة النطاق تابعة لـ"حماس" ومخصصة للهجمات في الضفة الغربية، واكتُشف أن من يوجهونها هم أفراد من "حماس" في بلدان أخرى، وبعضهم يعمل من تركيا.

كما أن هناك موضع احتكاك آخر بين البلدين يتمثل في النشاط التركي في القدس الشرقية، فقد استثمرت الحكومة التركية في عدد من المشاريع في الجزء الشرقي من المدينة، من بينها تجديد المواقع التاريخية وفتح المؤسسات الثقافية التي يشتبه أن لها نشاطًا سياسيًا أيضا كجزء من جهد تركي أوسع للتأثير على الرأي العام العربي، وتنظر الحكومة الإسرائيلية بريبة إلى هذه المشاركة التركية التي تضيف إلى التوتر في المدينة ويُنظر إليها كمعادية لإسرائيل.

وفي السنوات الأخيرة، اعترضت أنقرة على السياسة الإقليمية الإسرائيلية، وتشعر تركيا بالتهديد بوجه خاص من التحالف النامي بين إسرائيل واليونان وقبرص، والدعم المتزايد الذي تتلقاه الدولتان الأخيرتان من اسرائيل، حيث تعتبر تركيا شرق البحر المتوسط ​​وقضية قبرص مصالح أمنية أساسية.

بين الفرص والتحديات

لقد فتحت الاتصالات للإفراج عن السائحين الإسرائيليين نافذة فرصة للعلاقات التركية الإسرائيلية، ولكن لا ينبغي المبالغة في فرص نجاحها.

وعلى الرغم من أن عودة السفراء إلى أنقرة وتل أبيب احتمال واقعي، إلا أن هناك العديد من العقبات التي تحول دون تحسن حقيقي في العلاقات بين تركيا وإسرائيل، مثل التغيير الحاد في نغمة خطاب "أردوغان" من ديسمبر/كانون الأول 2020 عندما أعرب عن استعداده لتحسين العلاقات مع إسرائيل، إلى مايو/أيار 2021 عندما هاجم إسرائيل بحدة بسبب حرب غزة، فيما ينبغي أن يكون بمثابة تذكير بهشاشة الانفتاح التركي على إسرائيل.

كما أن "أردوغان" أكد في كل فرصة ممكنة على أهمية القضية الفلسطينية، ولهذا، فإن التصعيد في المسرح الفلسطيني يمكن أن يدمر أي تقدم في الاتصالات بين أنقرة والقدس.

وأصبحت القاعدة التركية المحلية المؤيدة للعلاقات الجيدة مع إسرائيل أيضا أكثر محدودية عما كانت عليه في الفترات السابقة، وهناك إجماع في المسرح السياسي التركي ضد إسرائيل، فيما يعود جزئيا لتراجع وضع الجيش التركي، الذي كان سابقًا عنصر مؤثرًا مؤيدًا لإسرائيل.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن التغييرات في التوازن الإقليمي في السلطة ووضع إسرائيل داخلها، أثرت سلبا على الوزن النسبي للعلاقة مع تركيا في أعين صناع القرار الإسرائيليين، وزادت من ترددهم في الاستجابة للإشارات الإيجابية القادمة أنقرة.

وأصبحت إسرائيل أقل استعدادا لتقديم تنازلات إلى تركيا، فيما يُعزى جزئيًا للرغبة في تجنب تهديد العلاقات التي طورتها إسرائيل مع دول أخرى.

ومع ذلك، ستعمل الحكومة الإسرائيلية على محاولة الاستفادة من الوضع الجديد بين تركيا وإسرائيل والاستفادة من التحركات التركية الأخرى أيضا، مثل المصالحة التركية مع الإمارات، وهناك فرصة لرفع العلاقات من المستوى المنخفض الذي كانت عليه منذ أكثر من عامين، وتوليد توجهات أكثر إيجابية بين البلدين على المدى المتوسط.

المصدر | رامي دانيال وجاليا ليندينستراوس - معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد