الحقبة الإماراتية وفنونها!

"شيوخ المجد أجدادي" .. محمد خير الجراح يطلق أغنية يمتدح فيها الإمارات!

لماذا أتعب محمد خير جراح نفسه بعمل غنائي كهذا؟ حقاً يحار المرء في الجواب!

الناس من خوف الذلّ في ذلّ، فهمناها، ومن خوف الفقر في فقر، فهمناها أيضاً، لكن ما الذي يجعل الناس في النفاق إلى هذا الحدّ؟!

قد نصل إلى الاستنتاج أن من ساهم بإنجاز الأغنية/الفيديو كليب هو عدو للإمارات لا صديق لها، فهي ليست سوى مثار ضحك في وقت جاء يهنئ ويقدّم الولاء والطاعة.

*      *      *

عادي جداً أن يحتفل أي بلد بعيده الوطني، أن يقيم عدداً من الفعاليات البهيجة، ترفع فيها الأعلام، واللافتات والأغاني، وتعقد الدبكات، وتخصص الصحف مساحات والشاشات وقتاً استثنائياً للتغنّي بالبلد ومنجزاته، وفي الحالة العربية بمنجزات حكّامه.

علينا أن نتوقع أسباباً متنوعة لاحتفال المحتفلين ورفع أسمى آيات التهاني، مرات (لا تحصى في الواقع) بسبب الخوف، كما في حالة سوريا- الأسد، ومرات بسبب النفاق (كذلك لا تحصى) الذي سيؤدي بالمحصلة إلى مكاسب متنوعة.

لا يمكن لأغنية/فيديو كليب الممثل السوري الكوميدي محمد خير جرّاح أن يقع في إطار الخوف، فالرجل يقيم في الإمارات حيث يصعب أن نتوقع إجباراً للفنانين على تقديم التبريكات. إن لاحظنا الرداءة في إنتاج كليب «إماراتي» بدءاً من الكلمات، واللحن، التصوير، المونتاج، الرقص (إن جاز الحديث عن رقص أصلاً) إلى صوت الجرّاح المروّع،.. 

قد نصل إلى الاستنتاج أن من ساهم بإنجاز الأغنية/الفيديو كليب هو عدو للإمارات لا صديق لها، فهو ليس سوى مثار ضحك في وقت جاء يهنئ ويقدّم الولاء والطاعة.

هذا النوع من التبريكات يهين ذكاء الحاكم وذائقته، قبل أن يهين الجمهور. تصوّر مثلاً أن يمدح شاعرُ بلاط عربي أصيل حاكماً ما بأبيات مكسورة، أو بلفظ رديء. لقد احتاج حكّام الأزمنة العربية السحيقة إلى شعراء بلاط استثنائيين خلّدوا ذكرهم بـ «أروع» (اقرأ: أَكْذَب) الشعر.

كذلك فإن الحكّام المعاصرين (ولسنا في معرض قياس الأكثر والأقل دكتاتورية وتوحشاً) استأثروا بمبدعي بلاطٍ يصعب تكرارهم، من محمد مهدي الجواهري إلى أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ ونزار قباني ومحمد الفيتوري وطلال حيدر وسواهم.  انظر إذاً أي نوع من فنون البلاط تنتج الحقبة الراهنة!

غداً قد يسجّل التاريخ أغنيةَ محمد خير جرّاح، التي يمكن صرفها على السوري، على مستوى المعنى، بـ «أنا سوري آه يا نيّالي» ولو أنه قد قيّض للأخيرة صوت أكثر موهبة وإنتاج أكثر سخاء، قد يسجّلها عنواناً لحقبة، خصوصاً أنها تأتي مشفوعة بأعمال يكاد سقفها يكون «ملحمة» لطيفة التونسية الغنائية من أشعار محمد بن راشد.

لكن لماذا أتعب محمد خير جراح نفسه بعمل غنائي كهذا؟ حقاً يحار المرء في الجواب، فإذا كان هو النفاق حقاً، فقد حقّ أن نتساءل: الناس في الذلّ خوفاً من الذلّ، فهمناها، وفي الفقر خوفاً من الفقر، فهمناها أيضاً، لكن ما الذي يجعل الناس في النفاق إلى هذا الحدّ؟!

* راشد عيسى كاتب فلسطيني/سوري

المصدر | القدس العربي