القوة في السياسة والسياسات الدولية

الدول الكبرى المتحكمة بالنظام الدولي أوّل من يتحلّل من الالتزام به حين يتعارض في أحكامه وقراراته مع مصالحها القوميّة

مبدأ القوّة الحاكم لسياسات النّظام الدّوليّ ليس مستمَدّا من هذا النّظام بل من إرادة الدّول الكبرى الحاكمة له ومن قوانينها وسياساتها القوميّة.

تتمظهر القوّة في السّياسة بقدر تمظهرها في السّلاح فالسّياسة تكثيفٌ لموارد القوّة المختلفة لدى دولةٍ مّا وتعبيرٌ عنها لذلك تمتلك سلطةً نافذة على من تمسّه أحكامُها.

قوّة سياسة النّظام الدولي ليست إلا اسمًا مستعارًا لقوّة سياسة الدّول المتحكّمة به متّخذة الأمم المتّحدة منصّةً بل مطيّة لفرض إرادَتها على العالم باسم الشّرعيّة الدّوليّة والقانون الدّوليّ.

*      *      *

تتمظهر القوّة في السّياسة أو السّياسات بمقدار ما تتمظهر في السّلاح؛ فالسّياسة تكثيفٌ لموارد القوّة المختلفة لدى دولةٍ مّا وتعبيرٌ عنها، وهي- لهذا السّبب - تمتلك سلطةً نافذة على من تمسّه أحكامُها.

ولا يملك أحدٌ أن يراجع سياسةَ دولةٍ أو يطعن فيها إلاّ متى ألحقتْ به ضرراً هدّد وجودَه أو أمنَه أو استقراره، أمّا ما خلا ذلك فيكون لكلّ دولةٍ أن ترسم سياساتها تجاه غيرها بما يخدم مصالحها، ووفقاً لمنظومة التشريع وصُنْع القرار فيها!

كما أنّ العالم يسلّم لها بذلك الحقّ بحسبانه جزءاً من حقوق السّيادة الوطنيّة التي يحميها القانون الدّوليّ. ومع أنّ قدراً من العنف يوجد في كلّ سياسةٍ تتّخذها دولةٌ تجاه غيرها - أو هكذا، على الأقلّ، يبدو الأمر لدى مَن يتضرّرون من سياستها - إلاّ أنّه يُنظر إليه بوصفه مشروعاً لاتصاله بقوانين الدّولة إيّاها، ولأنّه جزءٌ من آلية كلّ سلطة، ثمّ لارتباطه بالحقّ في ممارسة السّيادة الوطنيّة.

حين تتخّذ دولةٌ سياسةً خاصّة بحماية أمنها الاجتماعيّ أو بالحدّ من الهجرة غير الشّرعيّة، مثلاً، من قبيل فرض التّأشيرة على رعايا دول أخرى، لا تكون قد فعلت –في منطق القانون– سوى سنّ قرارٍ من صميم السّيادة رغم أنّه ينطوي على قدر ملحوظٍ من العنف (السّياسيّ والقانونيّ)؛ ورغم ممّا يُلْحقه من أضرار برعايا دول عديدة أخرى.

لا يمكن دولة أخرى متضرّرة نقْضُ هذا القانون إلاّ من طريق اللّجوء إلى حقٍّ لها رديفٍ هو: المعاملة بالمثل. والغالب على دولٍ متضرّرةً، مثل بلدان الجنوب، عدم اللّجوء إلى هذا الحقّ لأنّ تطبيقه يرتدُّ بنتائجه السّلبيّة على مصالحها: على الاستثمارات الأجنبيّة فيها، وعلى اقتصادها السّياحيّ وما شاكل ذلك.

والنتيجة أنّه يكون عليها أن تزدرد ذلك الإجراء، على مرارته وعنفه، حفاظاً على البقيّة الباقية من مصالحها مع دول الغرب، ولئلاّ تضع ردَّ فعلها خارج نطاق القانون الدّوليّ فتسْتجِرّ على نفسها ردْعاً.

   من البيّن، إذن، أنّ سلطة الدّولة ليست مستمَدَّة من داخلها فحسب: من سيادتها ومنظومة قوانينها؛ بل من القانون الدّولي نفسه، الذي يبيح لها أن تنتحل لنفسها السّياسةَ الملائمة لمصالحها، حتّى وإن انطوت هذه على عنفٍ قانونيّ تتضرّر به مصالح دول أخرى.

ويترتّب على ذلك قول إنّ القانون الدّوليّ هذا لا يخلو، هو نفسُه، من قدْرٍ مّا من العنف يتجسّد في قوّة الإلزام التي تُضمِرها أحكامُه. هو، في هذا، مثل قوانين الدّولة في نطاقها الوطنيّ، مع فارقٍ يَحْسُن بنا بيانُه:

هو أنّ قوانين الدّولة محطُّ اتّفاقٍ بين المشرِّعين وممثّلي الشّعب في الهيئات التّشريعيّة؛ ولذلك هي تمثّل– ولو من حيث المبدأ– الإرادة العامّة؛ وهو ما لا يجوز وصفُ القانون الدّوليّ به، لأنّه ليس موضعَ توافُقٍ إلاّ بين الكبار في النّظام الدّوليّ، والهيئات التّقريريّة لهذا النّظام ( الجمعيّة العموميّة) لا تملك سلطة الإلزام في قراراتها، وبالتّاليّ، يمتنع اعتبارُهُ تعبيراً عن الإرادة الدّوليّة لكلّ من يجمعهم النّظام الدّوليّ.

لا عجب، إذن، في أن تأخذ القوّةُ تجسيدَها الأعلى في القانون الدّوليّ وبالتّالي، في السّياسات الدّوليّة المصنوعة في مؤسّسات النّظام الدّوليّ. تقوم هذه السّياسات، من حيث قوّتُها الإلزاميّة، بعين ما تفعله الحروبُ من إرغامٍ وإخضاع، ولكنّها تأتي ذلك من غير حاجةٍ إلى ممارسة العنف المسَلَّح على من تقع عليه أحكامُها.

وقد يحصل أن يُلْجَأ إلى استخدام القوّة العسكريّة، المجازة بأحكام الفصل السّابع من الميثاق، إن كان الطّرف المُعَرَّض للعقاب قد أتى فعلاً يهدّد الأمن والاستقرار الدّوليّين (طبعاً كما تتأوّلُه القوى الممسكة بسلطة القرار والتّأويل في النّظام الدّوليّ).

في غير هذه الحالات، تكتسب قرارات مجلس الأمن سلطتها الإلزاميّة من أحكام الميثاق، من جهة، ومن قدرتها على إنْفاذِ نفسها عبر العقوبات، من جهة ثانية، ثمّ من خوف الدّول التي تقع عليها أحكام تلك القرارات من رفض الامتثال لإرادة ذوي السّلطة في النّظام الدّولي من جهة ثالثة؛ إذ يتعلّق الأمر بقوّةٍ تكتسي شكلاً سياسيّاً، ولكنّها قوّة ماديّة ذاتُ تأثيرٍ عظيم.

 على أنّ مبدأ القوّة الحاكم لسياسات النّظام الدّوليّ ليس مستمَدّاً، على التّحقيق، من هذا النّظام بما هو كذلك؛ بل مأتاهُ من إرادة الدّول الكبرى الحاكمة له ومن قوانينها وسياساتها القوميّة.

إنّ قوّة سياسة ذلك النّظام لا تعدو أن تكون اسماً حَرَكيّاً مستعاراً لقوّة سياسة الدّول المتحكّمة فيه؛ الدّول التي تتّخذ الأمم المتّحدة منصّةً - بل مطيّة - تركبُها لتفرض إرادَتها على العالم كلِّه باسم الشّرعيّة الدّوليّة والقانون الدّوليّ و «مرجعيّته». وآيُ ذلك أنّها أوّل من يتحلّل من الالتزام به حين يتعارض في أحكامه وقراراته مع مصالحها القوميّة.

* د. عبد الإله بلقزيز كاتب وأكاديمي مغربي

المصدر | الخليج