الثلاثاء 11 يناير 2022 10:55 ص

عامان على تولي السلطان "هيثم بن طارق" مقاليد الحكم في سلطنة عمان، خلفا للراحل "قابوس بن سعيد"، 11 يناير/كانون الثاني 2020.

وتقلد السلطان "هيثم" منصبه بدعم من مجلس عائلته، وبتوصية من السلطان الراحل، وبتأييد شعبي بدا واسعا خلال العام الأول.

ولا شك أن السطان الحالي ورث تركة ثقيلة، جانب منها إيجابي يتعلق بحيادية مسقط تجاه أزمات المنطقة، وإتقانها لعب دور الوساطة في ملفات عدة، وجانب سلبي يرتبط بأزماتها الاقتصادية وارتهانها بتقلبات أسعار النفط، وتضررها كثيرا من تداعيات جائحة "كورونا".

سياسة متزنة

خلال عامين من الحكم، يمكن القول إن السلطان الجديد، حافظ على إرث سلفه، في اتباع سياسة متزنة داخلياً وخارجياً، خاصة مع تأكيده في خطاب القسم على عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة، والدفع بمسيرة التعاون تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي.

ومن واشنطن ولندن إلى بكين والرياض، عمل "هيثم بن طارق" على ترسيخ مكانة مسقط لدى العواصم الكبرى والخليجية، والحفاظ على الشراكات الاستراتيجية للسلطنة، دون إحداث هزة في علاقاتها الإقليمية والدولية، مع تفعيل سياسة الحياد الإيجابي.

وزار السلطان "هيثم" خلال عامين منذ أن تولى منصبه في يناير/كانون الثاني 2020، دولتان فقط، هما المملكة المتحدة ديسمبر/كانون الأول 2021، والسعودية، في يوليو/تموز الماضي.

وإقليميا، واصل الرجل لعب دور الوساطة في ملفات حيوية للمنطقة، أهمها حرب اليمن، ورعاية المفاوضات بين الحوثيين والرياض، وكذلك التقريب بين السعودية وإيران، والمصالحة الخليجية بين الرباعي العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) وقطر، والتي توجت ببيان العلا في يناير/كانون الثاني 2021.

وتعول إيران كثيرا، وفق وزير خارجيتها "حسين أمير عبداللهيان"، على دور مسقط في تحسين وتوسيع العلاقات الإيرانية مع دول الخليج، والعمل على إنهاء الأزمة في اليمن.

تغيير سياسي

اللافت في ما أنجزه السلطان الجديد، هو النقلة النوعية التي أحدثها في نظام الحكم، بعد تغييرات أجراها تضمن تعيين ابنه كوريث، وإقالة بعض الوزراء والقادة العسكريين، وتغيير الصيغة الحكومية والتراتبية الهرمية للعائلة المالكة في عمان.

ووفق "معهد واشنطن للدراسات"، فإن هذه التغيرات تعتبر خطوة هائلة وتاريخية للبلاد، بعد قيامه بتوزيع ألقابه التقليدية، كوزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير المالية ورئيس مجلس محافظي البنك المركزي على أشخاص آخرين من بينهم أفراد من خارج العائلة المالكة.

ووفقا لمرسوم أصدره العام الماضي، أعاد السلطان "هيثم" صياغة نظام حكم جديد للدولة، يضمن أن يكون الابن الأكبر للسلطان "ذي يزن" هو الوريث المعين، وإذا كان عمر الوريث أقل من 21 عاماً. فيتم إنشاء مجلس استشاري داخل العائلة المالكة، وفي حال عدم وجود ولد، يكون الوريث هو الأخ الأكبر للسلطان.

ويحدد الدستور بوضوح أن لقب الوريث لا يتضمن واجبات محددة؛ وبدلاً من ذلك، يختار السلطان واجبات وريثه ومنصبه، وهي لغة تشابه مع النظام البريطاني، حيث لا يحمل اللقب سلطة رسمية إلى أن يتوفى السلطان أو يتنازل عن العرش.

كذلك أصدر السلطان "هيثم"، مراسيم تم بموجبها إعادة تشكيل مجلس الدفاع، والأمن الوطني، وهما أعلى مجلسين مختصين بشؤون الدفاع والأمن في البلاد، كما يتم العودة إليهما واستشارتهما في القرارات المصرية الخاصة بالسلطنة لا سيما الأمنية والاستراتيجية منها.

وطالت قرارات السلطان على مدار عامين، المناحي السياسية الداخلية؛ مثل العفو عن عدة معارضيين سياسيين في الخارج مكنهم من العودة إلى البلاد، إضافة إلى تطوير بعض الأحكام الجزائية مثل "عقوبة الإعدام"، وعدم تطبيقها إلا عبر لجنة شرعية يترأسها مفتي السلطنة وتعين من قبل السلطان نفسه.

وتشير الإصلاحات التي قام بها السلطان حتى الآن، وفق "معهد واشنطن"، إلى أنه يفضل إضفاء الطابع المهني على الحكومة، وتوضيح المسؤوليات، وتفويض المهام على نطاق أوسع.

تحد اقتصادي

مقابل إنجاز سياسي لافت، يبدو سلطان عامين في تحد اقتصادي، وربما ورطة كبيرة، مع استمرار تداعيات جائحة "كورونا"، في بلد خليجي يعاني شحا في موارده المالية، ويواجه عجزا بالموازنة بسبب انخفاض أسعار النفط عالميا، باستثناء الشهور الأخيرة،  فضلاً عن قلة احتياطات السلطنة من النقد الأجنبي المقدرة بـ17.9 مليارات دولار.

وتحدد ميزانية 2021 سقوفا لإنفاق الهيئات الحكومية، وتفترض سعراً أقل للنفط (45 دولاراً للبرميل)، ما يعني أن عمان مقبلة بقوة على الاقتراض المحلي والخارجي واللجوء إلى الاحتياطات المالية لسد الفجوة المالية.

وتعد عمان من أضعف اقتصادات منطقة الخليج، وأكثر عرضة للتأثر بتقلبات أسعار الطاقة، مقابل طموحات كبيرة تتضمنها رؤية 2040 الاقتصادية، الهادفة إلى تقليل اعتماد السلطنة على الطاقة واتجاهها نحو موارد أخرى.

وتتوقع عمان عجزا للميزانية في 2021 عند 2.24 مليار ريال عماني (5.82 مليار دولار). ولتعويض النقص، تهدف الحكومة لجمع نحو 1.6 مليارات ريال عبر الاقتراض وسحب 600 مليون ريال من احتياطياتها.

خطوة للأمام

وفي محاولة لمواجهة تلك التحديات، وإنجاز خطوة للأمام، وقعت شركات عمانية وأخرى سعودية 13 مذكرة تفاهم بقيمة استثمارات تبلغ 30 مليار دولار، في قطاعات تشمل الطاقة والطاقة المتجددة والصناعات الدوائية والاستثمارات في منطقة الدقم بالسلطنة، ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وتحاول مسقط كذلك وقف ارتفاع الإنفاق العام، والقدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، بالإضافة إلى وقف معدلات البطالة المرتفعة، والتي وصلت إلى 15% تقريباً على المستوى الوطني وأكثر من 30% لدى الشباب في العام 2017، وفق بيانات حكومية.

وفي مايو/أيار 2020، قررت الحكومة العمانية، التخلي عن 70% من الخبراء الأجانب والاستشاريين العاملين في الوحدات المدنية والحكومية وطلبت من الموظفين العامين العمانيين الذين تجاوزت خدمتهم 30 عاما التقاعد بحلول نهاية عام 2020، فضلا عن استمرار سياسة التعمين، والحد من أعداد الوافدين في البلاد؛ لتوفير فرص عمل للعمانيين.

ويجري العمل في تطوير ميناء الدقم، وافتتاح مشروع مصفاة جديدة، إلى جانب عملية توسيع ميناء صحار، ضمن جهود عمانية لتنمية قدرات البلاد التكريرية وجذب مستثمرين في قطاع النفط، إلى جانب تطوير ميناء الصيد البحري متعدد الأغراض في ولاية دبا بمحافظة مسندم، وبدء الإنتاج من حقل "غزير" الذي سيسهم في توفير طاقة إضافية للصناعات المحلية.

التحديات الاقتصادية كثيرة وصعبة، وتجعل السلطان الجديد تحت ضغط كبير لتجاوز أزمة "كورونا"، وتقوية محفظة بلاده المالية دون الركون إلى النفط الذي انهارت أسعاره على مدار عامين بشكل مخيف، الأمر الذي يضع "هيثم بن طارق" في اختبار اقتصادي صعب خلال العام الثالث من حكمه للبلد الخليجي.

المصدر | الخليج الجديد