الجمعة 14 يناير 2022 08:13 ص

تداعيات أزمة كازاخستان على أوكرانيا

فزع الغرب من دخول قوات أمن روسية لتقاتل دعماً للنظام الكازاخي الحاكم ضد من دبروا احتجاجات أو اضطرابات.

كان لأحداث كازاخستان أصداء قوية بمحادثات جنيف بين روسيا والغرب حيث تجري حسابات دقيقة لمخطط ودور الطرف الآخر بالأزمة الأوكرانية.

«واشنطن تسعى للحصول على إيضاحات من المسؤولين في كازاخستان عن سبب حاجتهم لاستدعاء قوات أمن بقيادة روسيا للتعامل مع اضطرابات داخلية».

هل يسعى الغرب لإسقاط روسيا بإسقاط حلفائها وجذبهم نحو الغرب أم أن روسيا تسعى لاستعادة مجد الاتحاد السوفياتي واستعادة ما خسرته بسقوط إمبراطوريته؟

*      *      *

انتهت أحداث كازاخستان «الدامية».. هكذا أكد رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف الثلاثاء الفائت بعد ما يقرب من ثمانية أيام قضتها البلاد بين مواجهات استخدمت فيها الأسلحة، الأمر الذي أثار «فزعاً» حتى ولو كان مصطنعاً لدى زعماء الغرب؛ وخاصة بعد استدعاء الرئيس الكازاخي لقوات منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» التي تقودها روسيا بعضوية دول آسيا الوسطى (السوفييتية السابقة).

ما ضاعف من «الفزع الغربي» أن الأحداث الدامية في كازاخستان كانت تحدث على مقربة من أحداث أوكرانيا، واستعداد الطرفين الأمريكي- الروسي لعقد محادثات في جنيف، ثم في بروكسل بمشاركة دول حلف الأطلسي حول الأزمة الأوكرانية ومجمل القضايا الأمنية بين روسيا والتحالف الغربي.

هذا الفزع عبّر عنه أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي دون مواربة عندما قال إن: «واشنطن تسعى للحصول على إيضاحات من المسؤولين في كازاخستان عن سبب حاجتهم لاستدعاء قوات أمن بقيادة روسيا للتعامل مع اضطرابات داخلية».

كان هذا هو المحفز الأول للفزع وهو دخول قوات أمن روسية لتقاتل دعماً للنظام الحاكم ضد من دبروا احتجاجات أو اضطرابات تهدد أمن واستقرار البلاد.

 أما السبب الثاني للفزع، فعبر عنه بلينكن أيضاً باستنكاره الأمر الذي أصدره رئيس كازاخستان بإطلاق النار بنيّة القتل لإخماد الانتفاضة في البلاد، وقال في مقابلة مع قناة «إيه بي. سي» الأحد (9-1-2022) إن «الأمر الذي أصدرته الحكومة بإطلاق النار بنية القتل خطأ ويجب أن يلغى».

 فزع الغرب من الإجراءين اللذين أقدمت عليهما السلطات في كازاخستان لإنهاء الاضطرابات التي تفجرت في الثاني من يناير/ كانون الثاني الجاري: استدعاء قوات روسية لإخماد الاضطرابات وإطلاق الرصاص الحي على «المتمردين» لم يكن دافعه الرئيسي هو «أوكرانيا» أولاً، وقراءتهم لردود الفعل الروسية المحتملة في الأزمة الأوكرانية، إضافة إلى مخاوفهم من أن يكون هذا النهج هو الذي سيفرض نفسه ضد أية محاولة لإثارة اضطرابات داخلية في ما يسمى بـ«دول الحزام الروسي» وبالتحديد دول وسط آسيا (السوفياتية السابقة).

وذلك ضمن سياسات الغرب لهدف أكبر هو «إسقاط روسيا» بتجريدها أولاً من تحالفاتها الإقليمية باختراق هذه التحالفات على نحو ما نجح فيه الغرب مع دول شرق أوروبا عقب سقوط حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي التي دخل معظمها، بفعل «ثورات ملونة» موالية للغرب، في التحالف الأطلسي وحصلت على عضوية الاتحاد الأوروبي. وما يحدث في أوكرانيا حالياً، وكما يفهمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو «جرّ أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي».

 هكذا فهمت روسيا وفهمت أوكرانيا وباقي الحلفاء في منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» (تركمانستان، وقرغيزيا، وأوزبكستان وطاجيكستان) ما حدث فى كازاخستان من اضطرابات اعتبرها الرئيس الكازاخستاني «محاولة انقلابية» مدبرة نفذها مقاتلون مسلحون لإسقاط النظام واستغلالاً للتظاهرات التي تفجرت في البلاد بسبب رفع أسعار الغاز المسال.

فقد فهمت روسيا مع حلفائها في تلك المنظمة أن هدف الاضطرابات التي تفجرت في كازاخستان هو «تطويق روسيا من الجنوب»، وأن باقي دول هذه المنظمة سيأتي دورها قريباً في سياق عملية استراتيجية كبرى يدبرها الغرب، وبعدها سيأتي الدور على روسيا نفسها لإخضاعها عبر مخطط تفجير اضطرابات داخلية ضمن قناعة مفادها أن «إسقاط روسيا لن يكون إلا عبر تمردات داخلية وليس عبر صراعات خارجية معها».

بهذا الفهم كانت استجابة روسيا سريعة لطلب حكومة كازاخستان حيث أرسلت أعداداً كبيرة من القوات التي شاركت في ضبط الأحداث واستعادة الاستقرار، مع حرص على عودة هذه القوات سريعاً عقب تحقيق أهدافها، على ألا يكون وجودها سبباً إضافياً لتجديد الاضطرابات.

وهذا ما حرص الرئيس الروسي على تأكيده في القمة التي جمعت قادة منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» عبر تقنية «الفيديو» (الاثنين 10-1-2022) بقوله إن القوات الروسية والحليفة التي أرسلت إلى كازاخستان لمساندة السلطة فيها بعد ما استهدفها «الإرهاب العالمي» ستغادر هذا البلد عند انتهاء مهمتها.

لكن الأهم في تصريحات بوتين هي تأكيده أمام تلك القمة على أن روسيا «لن تسمح بثورات ملونة» في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. أما رئيس كازاخستان فقد كان حريصاً في كلمته التي ألقاها أمام تلك القمة على تأكيد ثلاثة أمور

- أولها: إن الاضطرابات التي شهدتها بلاده كانت «محاولة انقلابية» وليست «احتجاجات اجتماعية» فقط،

- ثانيها أن قواته لم ولن تطلق النار أبداً على متظاهرين سلميين،

- ثالثها أن القوات الحليفة ستغادر البلاد فور أداء مهامها، وهذا ما حرص عليه في إعلانه يوم الثلاثاء الفائت (11-1-2022) أن المرحلة الحاسمة فيما وصفها بـ«عملية مكافحة الإرهاب» قد انتهت. فقد أعلن أن قوات حفظ السلام التي كانت بلاده قد طلبتها من منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» ستبدأ الانسحاب في غضون يومين.

 انتهت أحداث كازاخستان، على نحو ما أكد رئيسها قاسم جومارت توكاييف، وستبدأ القوات الحليفة بالعودة إلى بلادها، وتم تعيين رئيس جديد للحكومة بدلاً من الرئيس السابق الذي تمت إقالته عقب تفجر الاضطرابات والاحتجاجات المعيشية وأصبح علي خان إسماعيلوف رئيساً للحكومة الكازاخستانية الجديدة، لكن أصداء هذه الأحداث لم تتوقف بعد ليس فقط بالنسبة لروسيا وحلفائها؛ بل بالنسبة للغرب.

ما حدث في كازاخستان كانت له أصداء قوية على المحادثات التي شهدتها جنيف ابتداء من الاثنين الفائت بين مفاوضين على أعلى مستوى من روسيا والولايات المتحدة والدول الغربية، حيث يجري الكل حسابات دقيقة على ما يمكن أن يقوم به الطرف الآخر في الأزمة الأوكرانية، وبالتحديد مخطط كل طرف.

فهل يسعى الغرب لإسقاط روسيا بإسقاط حلفائها بجذبهم نحو الغرب، أم أن روسيا تسعى لاستعادة مجد الاتحاد السوفياتي واستعادة ما خسرته بسقوط «الإمبراطورية السوفياتية».

* د. محمد السعيد ادريس خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

المصدر | الخليج