السبت 15 يناير 2022 07:51 م

بينما تتقدم قطر في دبلوماسيتها الإنسانية في أفغانستان، هناك العديد من التحديات التي تعيق تحقيق الدوحة لأهدافها في الدولة التي مزقتها الحرب. وبدون رفع العقوبات الأمريكية أو قيام نظام طالبان بالحكم بشكل أكثر اعتدالًا، قد تجد قطر صعوبة في العمل كممثل إنساني أو دبلوماسي فعال في أفغانستان ما بعد الولايات المتحدة.

وتعتمد إدارة "بايدن" على قطر لتمثيل المصالح الأمريكية والعمل كجسر دبلوماسي بين واشنطن وأفغانستان حيث تواجه الدولة المنكوبة أزمات إنسانية كارثية. وفي الواقع، فإن العديد من قرارات قطر بخصوص أفغانستان منذ 2013 جعلت الدوحة في وضع يسمح لها باكتساب نفوذ أكبر في أفغانستان ما بعد الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن هناك حدودًا لقدرة الدوحة على لعب دور مؤثر كفاعل دبلوماسي وإنساني في البلاد.

وربما تكون العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على أفغانستان وتجميد احتياطياتها من العملات الأجنبية التي تصل إلى 9.4 مليارات دولار هي أكبر قيود على قدرة الدوحة على تجنيب الأفغان المزيد من المعاناة. وفي ظل نظام مصرفي مشلول، لن يتمكن المواطنون الأفغان من العيش على المساعدات الخارجية وحدها. وسيكون إلغاء تجميد الاحتياطيات الأجنبية للبلاد وإزالة العقوبات الأمريكية ضرورة لتوفير الإغاثة اللازمة لتجنب ما يمكن أن يكون إحدى أكثر الأزمات الإنسانية كارثية في العصر الحديث.

وبدون اتخاذ واشنطن مثل هذه الإجراءات، سيكون من الصعب تحقيق الأهداف الإنسانية لقطر. ومع استمرار الولايات المتحدة في شن حرب مالية ضد طالبان، فإن الظروف القاسية في أفغانستان سوف تزداد سوءًا. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في ديسمبر/كانون الأول الماضي أنه "من المتوقع أن يواجه نحو 22.8 ملايين شخص -أكثر من نصف سكان البلاد- انعداما للأمن الغذائي بشكل يهدد حياتهم هذا الشتاء".

وقد تشكل القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان في أفغانستان معضلات خطيرة بالنسبة للدوحة. وإذا تجاهل نظام طالبان اتخاذ إجراءات ملموسة في هذا الصدد، فقد تعاني سمعة الدوحة من ارتباطها بحكام كابل الجدد.

ولدى قطر مصلحة في التأكد من أن النسخة الثانية من طالبان ستكون أكثر اعتدالًا وتسامحًا بالرغم أن هذا يبدو أقل احتمالًا مع مرور الأيام. ومن المؤكد أن الدوحة ستحظى بفرص أفضل في مساعيها الدبلوماسية إذا أظهر نظام طالبان مستوى من الاحترام لحقوق الإنسان، لا سيما حقوق النساء والأقليات الدينية والعرقية المختلفة.

وبالفعل، أدانت قطر بشدة انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها طالبان. ويبدو أن رسالة الدوحة موجهة ليس فقط لقادة طالبان، ولكن أيضًا لجمهور أوسع في جميع أنحاء العالم مفادها أنه بينما تتعامل قطر مع طالبان، فإنها لا تتفق مع أيديولوجيتها ومنهجها. ويوفر ذلك فرصة لقطر لإثبات أنها تمثل شكلاً من أشكال الإسلام المعتدل أكثر شمولاً وتسامحًا.

لكن هل تستطيع الدوحة فعل أي شيء لدفع نظام طالبان في اتجاه أكثر اعتدالاً؟ الإجابة ليست واضحة. وبشكل عام، فإن مسؤولي طالبان الأقرب إلى القطريين هم أولئك الذين أمضوا سنوات في الدوحة خلال التفاوض مع الأمريكيين، ويعد هؤلاء أكثر اعتدالاً وواقعية من العناصر الأكثر تشدداً التي لم تطأ قدمها قط قطر ويصعب على الدوحة التأثير عليها. وتشعر قطر بالانزعاج من اكتساب العناصر المتشددة اليد العليا على الأرض في أفغانستان، وستجد الدوحة صعوبة في لعب دور فعال إذا استمرت هذه العناصر في كسب نفوذ أكبر في البلاد.

وقال الباحث في شؤون الأمن الدولي "توبياس بورك": "ستتعامل قطر مع هذا الأمر بسياسة خارجية ناضجة في المستقبل". وقارن "بورك" هذا الاختبار بتعاملات الدوحة مع المعارضة السورية في 2011-2014، قائلا: "خلال تلك الفترة، انجرفت قطر بعيدًا فيما يتعلق بالجهات الفاعلة في سوريا ولم تدرك أن شركائها الإقليميين والدوليين لم يكونوا مرتاحين لذلك. أعتقد أن قطر تعلمت من ذلك". 

وأضاف "بورك": "الطريقة التي ستتعامل بها قطر مع طالبان ستكون بمثابة اختبار لما تعلمته قطر من ذلك. ويعد عدم تشجيع قطر على الاعتراف الرسمي بحكومة طالبان هي إحدى العلامات على أن الدوحة تعلمت من الماضي. وبالفعل، فإن تعامل قطر الحذر مع طالبان يشير إلى أنها تدرك جيدًا الوضع".

وأمام العديد من التحديات في أفغانستان، من المرجح أن تحاول قطر معالجة هذه التحديات بمساعدة المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، التي اجتمعت في باكستان في ديسمبر/كانون الأول 2021 لمعالجة الوضع المأساوي في أفغانستان. ومن المتوقع أن تواصل قطر التعاون مع العديد من حلفائها وشركائها وجيرانها مثل الولايات المتحدة وتركيا وإيران عند التعامل مع الحقائق الجديدة في أفغانستان ما بعد الولايات المتحدة.

وفي تطور إيجابي، أطلقت الأمم المتحدة في 11 يناير/كانون الثاني الجاري دعوة لتمويل غير مسبوق لأكثر من 5 مليارات دولار من المساعدات لأفغانستان هذا العام. واستجابت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بمساهمة أولية تزيد عن 300 مليون دولار. ومع ذلك، فإن هذه المساعدة من الأمم المتحدة وواشنطن لن تكون كافية حتى تغير الولايات المتحدة سياسة العقوبات ضد كابل.

وفي الوقت الذي تحاول فيه العديد من الجهات الفاعلة الدولية مساعدة الشعب الأفغاني، تستعد قطر لمواصلة دورها الفريد. وبالرغم من التحولات التي طرأت على السياسة الخارجية القطرية خلال العقد الماضي، فإن دور الوساطة ظل مركزيا في الاستراتيجية القطرية. وكما قال "مهران كامرافا"، أستاذ الشؤون الحكومية بجامعة جورجتاون في قطر: "تحرص قطر بشدة على سمعتها المتمثلة في كونها وسيطًا نزيهًا مهتمًا بالسلام والاستقرار".

وبالرغم أن الوضع في أفغانستان يمنح القطريين نطاقا واسعا من الفرص، فإن أمامهم تحديات خطيرة يجب أن يتغلبوا عليها للحفاظ على سمعتهم إقليميا ودوليا.

المصدر |  ليوناردو جاكوبو و جورجيو كافيرو - إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد