الأحد 16 يناير 2022 10:24 م

كتب الكثيرون في الأوساط الأكاديمية والسياسية حول الحالة السيئة للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي. وغالبا ما يتم تصنيف المناقشات حول ممارسات الحكومات الشعبوية واحترام حقوق الإنسان ضمن الخطاب الأساسي السائد حول الاستبداد أو حكم الحزب الواحد أو حكم الفرد أو الملكية المطلقة أو الهيمنة العسكرية.

وفي الواقع، تنظر المنطقة العربية إلى الديمقراطية والأجندة المعنية بحقوق الإنسان على أنها مفاهيم غريبة إلى حد كبير، لكنها مفاهيم تحظى بإعجاب مئات الملايين من العرب الذين يعيشون في ظل الاستبداد السياسي، والحكومات غير التمثيلية، والافتقار إلى حرية التعبير.

وكانت ثورات "الربيع العربي" في العقد الماضي بمثابة الرد الواضح والحاسم على أزمة الديمقراطية في السياق العربي. وعلى عكس كل الرثاء حول نهاية هذه التحركات الشعبية، فإن الدعوة إلى التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يزال هو الخطاب السائد اليوم بالرغم من الثورة المضادة المستمرة التي تشنها القوى الرجعية باستخدام سلطة الدولة القمعية.

وهناك أدلة كثيرة على أن الربيع العربي لم يمت وأن مجال التغيير لا يزال مفتوحا. ومن الأمثلة على ذلك التحركات الشعبية في لبنان والعراق في 2019، وإسقاط السودان لدكتاتورية "عمر البشير" في عام 2019، والاحتجاجات الشعبية المستمرة ضد انقلاب القوات المسلحة السودانية في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، ورفض التونسيين لاستيلاء الرئيس "قيس سعيد" على كافة السلطات.

  • الديمقراطية في الدولة العربية

وتتضمن الديمقراطية، في أبسط وأقل فهم لها، إجراء انتخابات حرة ونزيهة عبر التنافس بين حزبين سياسيين مختلفين على الأقل، والالتزام بحرية التعبير وتكوين الجمعيات وتداول المعلومات، من بين أمور أخرى. لكن الفهم الأعمق الذي يتجاوز هذه المفاهيم الإجرائية يتضمن عاملين حيويين: التزام الحكام بالسماح للمعارضة بتولي السلطة بمجرد فوزها في الانتخابات، وحماية العملية السياسية من تدخل العسكريين أو القوى غير المنتخبة التي من شأنها أن تعرقل الرغبة النهائية للشعب.

ومن الصعب أن نتخيل تبني نظام للديمقراطية دون أن يصاحب ذلك تعهد باحترام حقوق الإنسان والدفاع عنها وتعزيزها. وفي الواقع، يكون هذا الالتزام نتيجة طبيعية للتطبيق السليم للعملية السياسية الديمقراطية. ولا يمكن أن تتحقق الديمقراطية إلا بضمان كرامة وحقوق الفرد والمجتمع دون تحيز على أساس العرق أو الدين أو القومية أو اللغة أو الجنس أو العمر أو غيرها من الاختلافات. وتشمل الحقوق أيضا الوصول العادل إلى فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية، فضلا عن ضمان بيئة نظيفة.

وفي الواقع، ترتكب الأنظمة العربية انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان الأساسية لمئات الملايين من المواطنين. وتقتصر سمات المواطنة في الدول العربية على الانتماء إلى كيان جغرافي ومؤسسات الدولة وقوانينها وأنظمتها دون المشاركة في صنع القرار بأي شكل. وقد نجحت الدولة العربية على مدى عقود في اغتصاب حق الفرد في المشاركة بحرية في كيفية بناء الدولة، واختيار من يحكمها، وكيف تدار أعمال الأمة.

ومع دخول القرن الـ 21 عقده الثالث، فإن الحقيقة المحزنة هي أن الدولة العربية يوجد على رأسها مجموعة متنوعة من الأنظمة والنخب السياسية، تتفق في مهمة مشتركة وهي إدامة المصالح الخاصة والحزبية، سواء الملكيات أو الأنظمة الملكية شبه الدستورية أو الجمهوريات. وتتمتع هذه الدول بأشكال مختلفة من "الواجهات" المؤسسية للمشاركة الشعبية في شكل برلمانات ومجالس استشارية يسيطر عليها الموالون الذين لا يهتمون بمساءلة السلطة أو في فرض المساءلة.

ويعد المكون الرئيسي للحكم في المنطقة العربية هو السيطرة على المؤسسات العسكرية والأمنية والتي لا تعد مجرد أجهزة فنية، ولكنها تمارس أنشطة اقتصادية تشكل جزءا كبيرا من الناتج المحلي الإجمالي؛ مما يؤدي إلى ضغوط على القطاع الخاص.

ولم تجسد الدولة العربية في القرن الـ 21 سياسات غير ديمقراطية وقمعية فحسب، بل أنتجت أيضا عنفا واسع النطاق في شكل قمع وإخضاع للأقليات العرقية والدينية، والانخراط في الصراعات الخارجية. ومن الواضح أنه حتى الدول الديمقراطية قد تشترك في مثل هذه الأمراض الخطيرة، وهنا تعد الولايات المتحدة مثالا واضحا، لكن الدولة العربية الأوتوقراطية كانت رائدة في هذا الصدد.

وربما يدلل على ذلك ما يقرب من 11 عاما من الحرب في سوريا لقمع الإرادة الشعبية للتغيير السياسي، والحرب المدمرة بنفس القدر في اليمن، والإبادة الجماعية في دارفور بالسودان، وعدم الاستقرار الطائفي والميليشيات التي ترعاها الدولة في العراق. ومن المؤكد أن الدولة العربية استخدمت أجهزتها لقمع الآمال في الديمقراطية والحكم الرشيد والمساءلة.

  • نظرية الاختلاف العربي

وحتى بداية ثورات الربيع العربي، تجنبت المنطقة العربية موجات التحول الديمقراطي التي اجتاحت العديد من البلدان في العالم النامي مثل تلك الموجودة في أمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا وأفريقيا وآسيا في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وبدأ يُنظر إلى العالم العربي على أنه منطقة استثنائية محصنة ضد الظروف التي تؤدي إلى نشوء الديمقراطية.

وأنشأت بعض الدول العربية برامج للانفتاح السياسي والاقتصادي، مثل مصر وسوريا في السبعينيات، والأردن واليمن والجزائر في الثمانينيات والتسعينيات، وبعض الممالك الخليجية في العقد الأول من القرن الحالي، لكن تلك الجهود ظلت محدودة وخاضعة لمراقبة الدولة والنخبة. وكانت البرلمانات، ولا تزال، غير قادرة على أداء وظائفها الأساسية المتمثلة في الإشراف على الحكومات ومؤسساتها ومحاسبتها  لأنه يتم صناعتها فقط من أجل شرعنة النظام القائم.

وتم إلقاء اللوم في هذه الخلل على عدم التوافق بين الديمقراطية من جهة والإسلام والثقافة العربية من جهة أخرى، أو على تراث الاستعمار الذي ترك أنظمة ضعيفة تخشى المواجهات الانتخابية، أو على تقلبات النضال العربي ضد إسرائيل واحتلالها لفلسطين.

وتضمنت التفسيرات الأخرى للطبيعة الاستثنائية المزعومة للمنطقة العربية عدم قابلية تطبيق بعض نظريات التحول الديمقراطي مثل تأثير الاقتصاد السياسي على السياسة والأنظمة الاستبدادية، وغياب تحالف بين النخبة الديمقراطية التي تدفع باتجاه التغيير، وتبعية الطبقة الوسطى العربية للدولة واعتمادها عليها لرفاهها، ومركزية اقتصاد الدولة، وهيمنة المؤسسات العسكرية.

ولم تلعب السرديات الأخرى مثل "تأثير الدومينو"، أو الضغط من الحلفاء الديمقراطيين، أو المشروطية من قبل المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي، أو التغيير القسري للنظام، دورا كبيرا في التحول الديمقراطي في العالم العربي، باستثناء حالة العراق بعد عام 2003، لكن ذلك لم ينتج ديمقراطية على النحو المحدد أعلاه.

وتشمل التفسيرات الأخرى لنجاح الاستبداد في العالم العربي قدرة الحكام المستبدين على تنويع خياراتهم الاستراتيجية وقدرتهم على المساومة السياسية. وعلى مر السنين، لم تخرج بعض المظاهر الديمقراطية إلا بموافقة مؤسسات الدولة.

على سبيل المثال، في أعقاب حرب عام 1973 مع إسرائيل، من المفترض أن الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" وسع النطاق السياسي من خلال إنشاء 3 منصات عامة أو منابر تمثل اليسار واليمين والوسط المعتدل. وكانت خطته هي هندسة الانفتاح الديمقراطي في مصر وفقا لمعاييره الخاصة. وأنتجت تلك الخطة برلمانا هجينا مطيعا عمل على إضفاء الشرعية على سياسات "السادات" وتلك الخاصة بخلفائه.

وسمح الملك الراحل "حسين بن طلال" بتحرير النظام السياسي الأردني في أواخر الثمانينيات، ما ساعد الإسلاميين على الوصول إلى البرلمان. لكن عندما بدأوا في تنفيذ ما اعتقدوا أنه البرنامج السياسي الذي جاءوا به، غير "حسين" قواعد اللعبة الديمقراطية وأفقدهم ميزتهم الانتخابية.

  • الربيع العربي

وشكل الربيع العربي توجها جديدا في الفكر والممارسة السياسية العربية، وكان تمثيلا للرد الشعبي على فشل الأنظمة العربية في إقامة حكومة ديمقراطية ومعالجة العجز الخطير في الأداء الاقتصادي. ونجح الربيع العربي في إسقاط الحكومات الاستبدادية في تونس ومصر وليبيا واليمن. ومع ذلك، فقد فشل حتى الآن في تحقيق الانتقال الديمقراطي المأمول حتى في تونس التي تشهد تراجعا خطيرا إلى حكم الفرد الواحد.

وفي سوريا، تبنى "بشار الأسد" ما يمكن وصفه بالإبادة الجماعية من أجل الحفاظ على نظامه، وأصبح القتلى والجرحى بالملايين، فضلا عن تشريد ربع السكان داخل البلاد ونفي ربع آخر إلى دول مجاورة وبعيدة.

وقوبلت التحركات الأخرى في البحرين وعمان والمغرب والأردن والجزائر والعراق بقمع واعتقالات أو تغييرات مؤسسية تجميلية. واليوم، ما زالت التحركات الشعبية في لبنان والسودان والعراق وتونس تحاول تحقيق رغبات الملايين في التحول إلى الديمقراطية.

لكن تم التأكيد على حقيقة واحدة لا لبس فيها بعد أكثر من عقد من الربيع العربي؛ ألا وهي أن الدولة العربية القمعية لديها من المرونة والحيلة ما يجعلها قادرة على الدفاع عن الوضع الراهن. ويمكن القول إن الأنظمة الاستبدادية مثل النظام المصري أو السوري أو السوداني أو الجزائري أصبحت أكثر سلطوية من أسلافها.

ويبدو أن ممارسات الدولة العربية لم تستهدف فقط الحفاظ على الأنظمة والامتيازات، بل أرادت تلقين المطالبين بالديمقراطية والتغيير درسا قاسيا في ضرورة الطاعة الكاملة.

المصدر | عماد حرب/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد