الجمعة 21 يناير 2022 10:39 م

كان دور دور آية الله "علي السيستاني"، المرجع الديني الرئيسي لملايين الشيعة في العراق وحول العالم، مؤثرا في سياسات البلاد بعد عام 2003.

لكن الآن، ربما يكون هناك مبالغة في تقدير دوره، فمن الواضح أن تأثيره في بعض التطورات السياسية الأخيرة لم يكن كما يُزعم، وقد فشلت دعوته أحيانا في تحقيق النتائج المرجوة.

ولا يشكك أحد في المكانة المهمة لرجال الدين الشيعة داخل الطائفة، لكن بعض المحللين نسبوا إليهم قوة سياسية واجتماعية غير عادية، وهو تصور لا يثبته الواقع.

وحتى داخل العراق، هناك العشرات من المراجع داخل الشيعة بمستويات مختلفة من السلطة الدينية.

كما يوجد العديد من الاتجاهات داخل المجتمع الشيعي العراقي، بما في ذلك الانقسامات بين الشيعة العلمانيين والمتدينين.

  • دعوات فاشلة

ومن الواضح أن رغبات وتوجيهات "السيستاني" في بعض النقاط لم يكن لها صدى في الواقع.

وبالرغم من التصريحات العديدة التي أدلى بها على مر السنين، والتي حث فيها الحكومة على مكافحة الفساد، لم يتم إحراز أي تقدم ملموس.

ويُصنف العراق كواحد من أكثر دول العالم فسادا منذ أعوام عديدة لكن الوضع تدهور أكثر منذ عام 2003.

ولم تمر هذه الحقيقة دون أن يلاحظها "السيستاني" الذي أوضح أن محاربة الفساد يجب أن تكون أولوية للحكومة العراقية.

وفي عام 2015 دعا "السيستاني" رئيس الوزراء العراقي آنذاك "حيدر العبادي" إلى اتخاذ موقف صارم ضد الفساد وفضح أولئك الذين يقفون في طريق الإصلاح.

وفي مناسبة أخرى، قال "السيستاني" إنه يجب ملاحقة كبار المسؤولين الحكوميين المشتبه في تورطهم بالفساد واستعادة أموال البلاد المسروقة.

وبعد 3 أعوام، قبل تشكيل الحكومة، حث "السيستاني" مرة أخرى المؤسسة السياسية على معالجة الفساد وسوء الخدمات.

وفي عام 2019، كرر "السيستاني" تصريحاته التي دعا فيها الحكومة إلى اتخاذ خطوات واضحة لمكافحة الفساد.

وفي عام 2020، حث الحكومة على التحقيق في قضايا الفساد الكبرى.

وأخيرا، طالب أيضا ببذل المزيد من الجهود للحد من الفساد المستشري قبل انتخابات 2021.

لكن لم تحدث هذه التصريحات أي تغيير على الإطلاق في مستوى الفساد الذي يعد أكثر المشاكل المزمنة والمستعصية في العراق.

ويشير ذلك إلى أن "السيستاني" غير قادر على فرض تغيير ذي مغزى بالرغم من مكانته الموقرة داخل العراق.

وفي حالات كثيرة، ذهبت كلمات "السيستاني" أدراج الرياح. وفي حالات أخرى، أسيء تفسير توجيهاته لتناسب مصالح أولئك الذين يفسرونها.

وفي عام 2014 عندما اجتاح تنظيم "الدولة الإسلامية" العراق، أصدر "السيستاني" فتوى دعا فيها إلى حمل السلاح ضد التهديد الإرهابي الجديد.

وطالب "السيستاني" المتطوعين الجدد بالانضمام إلى قوات الأمن العراقية.

وبالرغم أن الروايات التي تشير إلى استجابة ملايين العراقيين للفتوى مبالغ فيها بشكل واضح، فلا شك أن دعوته رفعت معنويات المقاتلين الشيعة ضد "الدولة الإسلامية".

لكن في مرحلة ما، انضمت الغالبية العظمى من المجندين الشيعة إلى قوات الحشد الشعبي بدلا من الانضمام إلى قوات الأمن العراقية.

وتشير التقديرات إلى أن 75% من المتطوعين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما تم تجنيدهم في قوات الحشد الشعبي، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى انعدام الثقة الشديد في ممارسات الأجهزة الأمنية.

واليوم، أصبحت قوات الحشد الشعبي قوة لا يمكن السيطرة عليها في العراق، بالرغم أن "السيستاني" لم يتراجع عن فتواه.

علاوة على ذلك، استخدمها "نوري المالكي"، رئيس الوزراء وقت فتوى "السيستاني"، لإضفاء الشرعية على الجماعات المسلحة التي تدعمها الدولة، ما أجبر مكتب "السيستاني" على إصدار توضيح بشأن الفتوى.

وكان الهدف من قوات الحشد الشعبي في الأصل أن تكون قوة مؤقتة للقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" قبل العودة إلى الحياة الطبيعية، وقد دعا "السيستاني" نفسه إلى نزع سلاحها لكنه لم ينجح.

وفي عام 2015، تكهن "مصطفى الكاظمي"، الصحفي العراقي آنذاك، بأن "قوات الحشد الشعبي سيتم حلها بعد انتهاء المعارك، وسيعود السلاح لسيطرة الحرس الوطني، وهو قوة عسكرية مدججة بالسلاح أكثر من الشرطة ولكن أقل من الجيش".

وفي عام 2022، في دوره الجديد كرئيس للوزراء، كان "الكاظمي" يشاهد بنفسه فشل تنبؤاته السابقة.

  • البعض يستمع والبعض لا

وأخيرا، أثر "السيستاني" بالفعل على العملية الديمقراطية بآرائه.

وفي الانتخابات الأولى التي أجريت في عام 2005، أصدر مكتب "السيستاني" تعليمات لأتباعه بالتصويت للزعماء الدينيين وتوحيد أصوات الشيعة، وهو ما يعني عمليا التصويت على أساس طائفي وليس على أساس كفاءة المرشح.

وكانت الكتلة الشيعية مهمة للغاية بالنسبة لـ "السيستاني" لدرجة أنه ساهم في تشكيل التحالف الوطني العراقي الذي وحد الشيعة في إطار سياسي واحد.

وبالرغم أنه امتنع عن تأييد أحزاب سياسية معينة في الانتخابات اللاحقة، استمر "السيستاني" في حث أتباعه على التصويت لكن هناك مؤشرات حديثة على أن دعواته لم تعد تحدث النتائج المرجوة.

على سبيل المثال، حث "السيستاني" العراقيين على التصويت في الانتخابات الأخيرة، قائلا إن المشاركة هي الطريقة الأكثر أمانا لضمان مستقبل أفضل للعراق، ولكن نسبة المشاركة بلغت نحو 43% فقط أي أقل من الانتخابات السابقة.

بعبارة أخرى، بينما هناك اهتمام إعلامي هائل بمواقف "السيستاني" السياسية، لا يوجد فهم صحيح لمدى تأثيره على المستوى الاجتماعي.

ولا يعني هذا أن خطاب "السيستاني" يفتقر إلى التأثير تماما.

وعندما اندلعت المظاهرات في العراق في أكتوبر/تشرين الأول 2019، احتجاجا على الظروف المعيشية المتردية في البلاد والفساد، رفض رئيس الوزراء العراقي آنذاك "عادل عبدالمهدي" في البداية الاستقالة، حتى بعد مقتل مئات المتظاهرين على أيدي المليشيات وعناصر الأمن.

ومع ذلك، فقد استقال بعد ساعات قليلة من ضغط "السيستاني".

فلم يستجب "عبدالمهدي" لدعوات الشعب، بل لدعوات رجال الدين الشيعة.

وهنا نعود لنؤكد أن تأثير "السيستاني" على العراق إما مبالغ فيه أو يساء فهمه في بعض الأحيان.

ينبغي إعادة تقييم دوره في العراق، مع التركيز على النتائج الملموسة من كلماته، بدلا من الإيمان الجازم بمدى القبول الواسع الذي يتمتع به بين العراقيين في الظاهر.

المصدر | مصعب الألوسي/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد