السبت 5 فبراير 2022 10:57 ص

"لقد نشرنا وحدات القوات الخاصة جاغوار في شبه الجزيرة العربية والخليج في زمن قياسي قصير".. بهذه التغريدة أعلن الرئيس الفرنسي "إيمانيول ماكرون" في يناير/كانون الثاني 2020، نشر قوات بلاده في الخليج.

وبعد عامين تقريبا، وفي 4 فبراير/شباط 2022، باتت الإمارات أول دولة خليحية تفعل اتفاقية التعاون والدفاع المشترك مع فرنسا، في خطوة تعزز وجود باريس عسكريا داخل الخليج، ما يثير الكثير من التساؤلات حول الدور الفرنسي المتنامي في المنطقة، خلال الأعوام القليلة الماضية.

ومارست فرنسا في عهد "ماكرون"، سياسة خارجية أكثر نشاطًا في منطقة الشرق الأوسط، وعززت باريس من نشاطها في منطقة الخليج، خاصة مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتصاعد المنافسة التركية الفرنسية في عدة مسارح.

وقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كانت المملكة المتحدة هي الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي التي تمتعت بعلاقة مميزة مع دول مجلس التعاون الخليجي.

ولكن بعد مغادرة المملكة المتحدة، أصبحت باريس الآن في وضع جيد لشغل هذا الموقع.

وتعتبر فرنسا العضو الوحيد في الاتحاد، الذي أظهر بعض الاستعداد لنشر أصول عسكرية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر مهم لدول الخليج التي تعطي الأولوية للضمانات الأمنية من الشركاء.

شراكة اقتصادية

كما أن السياسة الخارجية الفرنسية في منطقة الشرق الأوسط، تسير حاليا في مسار تصادمي مع تحركات تركيا الإقليمية، في وقت تتطلع فيه أنقرة أيضًا إلى زيادة نفوذها في الخليج.

وداخل دول مجلس التعاون الخليجي، وربما العالم العربي ككل، تعتبر الإمارات الشريك الأقرب لفرنسا.

وتحتضن الإمارات أكبر جالية فرنسية مغتربة في بلدان الخليج العربي، وتضمّ أكثر من 25 ألف فرنسي مسجّلين في سجلات الفرنسيين المقيمين في الخارج، فيما تتخذ قنصلية فرنسا العامة من دبي مقرًا لها.

وتحظى فرنسا بجناح خاص بها بعنوان "الضوء والأنوار" في المعرض العالمي "إكسبو دبي 2020".

وعلى الصعيد الاقتصادي، تعكس المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، قوة ومتانة العلاقات بين البلدين، حيث نما حجم التبادل التجاري غير النفطي بين باريس وأبوظبي، بنسبة 93% خلال العقد الماضي، من 14.29 مليار درهم (3.9 مليارات دولار) في العام 2010، وصولا إلى 27.62 مليار درهم (7.52 مليارات دولار)، بنهاية عام 2019، بإجمالي نحو 250 مليار درهم (68 مليار دولار) خلال العقد الماضي، ووفقاً لبيانات إماراتية رسمية.

وهناك أكثر من 600 شركة فرنسية تعمل في الإمارات ويتزايد عددها بنحو 10% سنويًا في السنوات الأخيرة.

وبالمثل، فإن التعاون الثقافي والأكاديمي يتطور بشكل متسارع، وهو المجال الذي تراهن عليه الحكومة الفرنسية والحكام الإماراتيون على حد سواء بهدف تكوين صورة إيجابية متبادلة وجذب المزيد من الاستثمارات.

ومن خلال جامعة السوربون -أبوظبي، التي تأسست في عام 2006، ومتحف اللوفر- أبوظبي الذي تم افتتاحه في 2017، يُنظر إلى الثقافة واللغة الفرنسية على أنهما ركيزة في التعاون بين البلدين. 

سياسة خارجية

وفي السنوات الأخيرة، تعاونت فرنسا والإمارات بشكل وثيق في العديد من ملفات السياسة الخارجية.

وقد عززت تصوراتهما المشتركة عن الجماعات الإسلامية و"خطر" صعود تركيا الإقليمي، مثل هذا التعاون الثنائي.

ويتجلى التآزر بين باريس وأبوظبي بشكل أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بليبيا وشرق البحر المتوسط والساحل الأفريقي ​​وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

في ليبيا، تعتبر فرنسا هي العضو الوحيد في الاتحاد الأوروبي المنخرط بنشاط في الصراع إلى جانب الجنرال "خليفة حفتر" الذي يتخذ من برقة مقراً له، والذي يتلقى دعماً قوياً من الإماراتيين.

في منطقة الساحل الأفريقي، تعد أبوظبي داعمًا ماليًا رئيسيًا لمبادرة فرنسا "جي5" لتعزيز القوات العسكرية لبوركينا فاسو وتشاد ومالي (قبل انسحابها) وموريتانيا والنيجر، إلى جانب حوالي 5000 جندي نشرتهم باريس في المنطقة.

كما انضمت الإمارات مؤخرا، لصندوق سعودي فرنسي، يستهدف تقديم الدعم للشعب اللبناني.

وعندما يتعلق الأمر بشرق البحر الأبيض المتوسط​​، تدعم كل من فرنسا والإمارات اليونان وقبرص بقوة.

علاوة على ذلك، يشترك كل من "ماكرون" وولي عهد أبوظبي الحاكم الفعلي للإمارات الشيخ "محمد بن زايد" في عدم الثقة بالأحزاب السياسية الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة.

وفي أعقاب الربيع العربي، أظهر القادة الإماراتيون والفرنسيون ميلًا للتركيز على استقرار الأنظمة الاستبدادية واستمرار الوضع السابق.

ووسط تصاعد التوترات مع تركيا بشأن المطالبات البحرية المتنافسة على تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة في منطقة غنية بالغاز الطبيعي، كانت الإمارات الدولة الأكثر انخراطًا سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا من بين دول مجلس التعاون الخليجي.

وقد أجرت باريس وأبوظبي في أغسطس/آب 2020 تدريبات عسكرية مشتركة مع أثينا في رسالة إلى تركيا.

تعاون قديم

ويعود التعاون العسكري الإماراتي الفرنسي، إلى عام 1971، عندما تم توقيع اتفاق تعاون عسكري بين الطرفين، تركز على عقود تسليح إلى جانب التدريب.

وفي 1977، تطورت العلاقات العسكرية الثنائية بتوقيع اتفاق تعاون عسكري آخر، كان الأساس الذي بني عليه اتفاق التعاون العسكري والتسليح في سبتمبر/أيلول 1991 في ظل الظروف التي خلقتها حرب الخليج الثانية.

وفي 1995، تم الإعلان عن اتفاق للدفاع وصفته صحف فرنسية بـ"المهم"، تزامن مع تبادل زيارات عديدة بين قيادات البلدين.

هذا الاتفاق أعطى أبعادا جديدة للتعاون العسكري بين البلدين، إذ حدد أسس الدفاع الفرنسي عن الإمارات، وأشكال التعاون في مجالات الاستخبارات، والتدريب، والتخطيط.

ولتحقيق أهداف اتفاق 1995، أنشئت لجنة عليا فرنسية إماراتية، عقدت سلسلة اجتماعات نتجت عنها برامج ومخططات لتطبيق ما جاء في الاتفاق، وتوجت اللقاءات الأولى بتنظيم مناورات عسكرية مشتركة عام 1996، كما تم عقد صفقات تسليح بمليارات الدولارات.

وخلال زيارة الرئيس الفرنسي الرسابق "جاك شيراك" إلى الإمارات عام 1997، أعلنت أبوظبي أنها قررت تمكين فرنسا من صفقات لتطوير وتجديد أسطولها الجوي، بما يشمل تحديث 33 طائرة من نوع "ميراج 2000" في الخدمة، وشراء 30 طائرة أخرى جديدة من نوع "ميراج 2000-9".

أول قاعدة

وتطور هذا التعاون إلى الإعلان في 2009 عن أول قاعدة فرنسية في منطقة الخليج عُرفت بـ"معسكر السلام" في أبوظبي، والتي استغرق بناءها 18 شهراً.

وتمتد القاعدة على مساحة تبلغ حوالي 12 هكتاراً، وهي مزودة بمراسي تنتشر على طول 300 متر، مهمتها استقبال السفن الحربية الفرنسية.

وتم اختيار موقع متميّز لإقامة القاعدة حيث شيدت بالقرب من مضيق هرمز في مقابل إيران، وتضم أكثر من 400 عسكري في 3 مواقع هي قاعدة بحرية في ميناء أبوظبي، وقاعدة جوية، إضافة إلى معسكر للتدريب على القتال في المدن وفي المناطق الصحراوية.

ويضم الجزء الجوي من القاعدة من الطائرات الفرنسية من طراز "ميراج 2000" و"رافال".

تحمس الفرنسيون كثيرا لإنشاء تلك القاعدة قرب مضيق هرمز الذي يشهد حركة بحرية مكثفة، حيث يمر عبره 40% من الإنتاج البترولي العالمي، كما أن وجودها في منطقة الخليج الإستراتيجية "مهم للتموقع الإستراتيجي الفرنسي، ورغم أنه مكلف فهو ضروري"، كما يوضح المسؤولون الفرنسيون.

ولم يخف الفرنسيون، أن القاعدة هي أيضا "واجهة" لعرض التكنولوجيا العسكرية الفرنسية في منطقة الخليج تحديدا، على أمل الترويج لصناعتهم العسكرية.

وتعمل القاعدة حاليًا كمقر لبعثة الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا لضمان الشحن الآمن في مضيق هرمز، في أعقاب الهجمات والتوترات المتكررة في المنطقة في عام 2019.

صفقة "رافال"

وفي العام 2020 أيضا، أطلق البلدان حوارا استراتيجيا لضمان المتابعة العملية للمشاريع الرئيسية التي ترتكز عليها العلاقة الثنائية بين البلدين، وفي إطاره، اعتمدا خارطة طريق جديدة لشراكتهما في السنوات العشر المقبلة أي حتى عام 2030.

هذا التعاون والتقارب، تكلل في نهاية 2021، بإعلان الإمارات إبرام صفقة ضخمة لشراء 80 طائرة "رافال" فرنسية من الجيل الجديد، ما سيجعل أبوظبي أول دولة تشغل نسخة حديثة من طائرات "رافال" خارج فرنسا، والتي تضم أجهزة استشعار رادار محدثة، وإلكترونيات متطورة، قادرة على حمل صواريخ يصل وزنها إلى 1000 كجم.

ويبلغ قيمة الصفقة، التي تم الإعلان عنها إبان زيارة "ماكرون" للإمارات نحو 16 مليار يورو (18.32 مليار دولار).

يأتي ذلك في الوقت الذي لا تزال فيه المباحثات الإماراتية حول شراء طائرات"إف-35" الأمريكية مجمدة بشكل غير رسمي، ما جعل الإمارات تبحث عن شراكة مع حليف أوروبي.

ووفق موقع "بريكينج ديفنس" الأمريكي المتخصص في الشؤون الدفاعية، فإن أبوظبي أرادت بهذه الصفقة، توجيه رسالة إلى واشنطن مفادها أن "الإمارات لديها خيارات إذا استمرت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن في تجميد صفقة شراء طائرات إف-35".

كما أن صفقة "رافال" الفرنسية "ليست سياسية بحتة"، وهناك جانب فني آخر يتعلق برغبة الإمارات في أن تقدم طائرات "رافال"، بديلا لطائرات "ميراج" و"إف-16" التي تمتلكها أبوظبي حاليا.

ومنذ وصول الديمقراطي "جو بايدن" إلى البيت الأبيض، مطلع العام الجاري، ترى دول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات، أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على الأمريكيين كما كان من قبل، حسب نائبة رئيس معهد المتوسط والشرق الأوسط للبحوث والدراسات، "أنياس لوفالوا".

وترى الخبيرة في معهد الدراسات للشرق الأوسط في واشنطن، "إيما سوبرييه"، أن أبوظبي من خلال هذه الصفقة تؤكد شراكتها الاستراتيجية القديمة العهد مع فرنسا التي تملك 3 منشآت عسكرية في هذا البلد.

دفاع مشترك

لم يقتصر التعاون الدفاعي عند هذا الحد، فمع تصاعد جمات الحوثيين على أبوظبي، الشهر الماضي، أعلنت الإمارات تفعيل اتفاقية التعاون والدفاع المشترك مع فرنسا.

كما أعلنت فرنسا أنها قررت دعم الإمارات عسكريا للتصدي لهجمات الحوثيين، بعد تعرضها لثلاث هجمات أثارت مخاوف على أمن الدولة الخليجية.

وقالت وزيرة الجيوش الفرنسية "فلورنس بارلي"، إن باريس ستساعد أبوظبي في تأمين أجوائها التي تتعرض لهجمات المتمردين الحوثيين اليمنيين.

ولم تفصل الوزيرة الفرنسية طبيعة الدعم العسكري الذي ستقدمه فرنسا للإمارات، على وجه الدقة، لكنها قالت إن مقاتلات "رافال" التابعة للبعثة الفرنسية في أبوظبي "تشارك إلى جانب القوات المسلحة الإماراتية في مهام المراقبة والكشف والاعتراض إذا لزم الأمر".

من جانبه، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي "صبحي ناظم توفيق"، مؤلف كتاب "حاملات الطائرات"، أن الأسباب التي دفعت فرنسا إلى تعزيز وجودها العسكري في الخليج، هو رغبتها للبقاء في المنطقة وتعزيز وجودها.

ويوجد لفرنسا، مصالح عدة في الشرق الأوسط، وبالذات في منطقة الخليج العربي، خاصة أنها دولة صناعية ولا يوجد داخلها برميل نفط واحد، لذا لا يمكن أن تستغني عن نفط الخليج؛ لكون معظم وارادتها من الطاقة تأتي من هذه الدول.

وفي حال نشوب أي نزاع عسكري، لا يمكن لفرنسا أن تتحمل توقف استقبال صادرات النفط من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز وجنوبه، أو في بحر عمان أو العرب، لذا لا يمكن لها ترك هذه المنطقة دون وجود عسكري قوي.

كما توجد مصالح تجارية تأتي بفوائد اقتصادية على فرنسا وعموم الدول الأوروبية، لذلك تعد منطقة الخليج لباريس قلب العالم الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

ولا ترغب فرنسا، كذلك بترك منطقة الخليج لرغبات إيران، لذا يحرص "ماكرون" على إثبات وجود بلاده.

كما أن وجودا فرنسيا ثابتا في الإمارات، سيتيح لفرنسا وسائل استخبارية فاعلة وميدانية في منطقة عريضة تمتد من السنغال إلى الخليج، وبينهما تشاد وجيبوتي بجوار الصومال، وهي دائرة تضم معظم الساحل الأفريقي والعربي.

وتدرك باريس جيدا أن واشنطن لا تعترض على تحرك فرنسا في المنطقة أو وجود عسكري لها خاصة بعد تجربتها العسكرية الفاشلة بالعراق.

المصدر | الخليج الجديد