السبت 12 فبراير 2022 02:40 م

 حاكم مصرف لبنان.. و«سلطة الرقابة»

كيف يمكن لدولة أن تدعي على حاكم مصرفها المركزي، وهو ما يزال يمارس مهامه حتى نهاية ولايته القانونية عام 2023؟

قضاء سويسرا توسّع في تحقيقات أفضت لتجميد أصول رياض سلامة في بلدان أوروبية، وتقدّر بنحو 360 مليون دولار.

الخطورة الأشد برزت في غياب «سلطة الرقابة» على مصرف لبنان، نتيجةَ صلاحيات الحاكم الواسعة وسيطرته على مؤسسات المصرف الرئيسة.

طلبت ألمانيا مساعدةً قانونيةً حول عمليات «غسل أموال مستفحلة» وتحدثت النيابة العامة في لوكسمبورغ عن تهريب سيولة تتجاوز200 مليون دولار!

حذّر صندوق النقد الدولي من «التأثير السياسي» الذي يقوض أهداف البنوك المركزية ويخلق مخاطر طويلة الأجل تشكل تهديداً للاستقرار المالي والاقتصادي.

يصر رئيس الجمهورية ميشال عون على محاسبة رياض سلامة على تقصيره وتحميله مسؤولية الانهيار المالي وإصدار حكم قضائي بحقه حتى إقالته وسجنه.

حاكم مصرف لبنان عضو رئيس في الفريق الحكومي الذي يفاوض صندوق النقد الدولي حول برنامج مساعدات يعلق عليه اللبنانيون آمالا لإنقاذ الاقتصاد الوطني واستعادة عافيته!

*      *      *

سبع دول أجنبية تتابع باهتمام تبادلَ المعلومات والوثائق حول قضايا الاشتباه في عمليات قام بها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وتشمل التحقيقات في أوروبا نحو20 شركةً ماليةً وعقاريةً يشتبه في أن له صلة بها.

ومع التأكيد على أهمية هذه التحقيقات التي شُبهت بجمع أحجية «البازل»، فهي لم تتوصل إلى دليل «إدانة». ويلاحظ أن القضاء السويسري توسّع في تحقيقاته التي أفضت إلى تجميد أصول رياض سلامة في بعض البلدان الأوروبية، والمقدّرة بنحو 360 مليون دولار.

وقد طُلب مؤخراً من لبنان معلومات لتحديد الجانب المتعلق بإساءة استعمال النفوذ. كذلك طلبت ألمانيا مساعدةً قانونيةً حول عمليات «غسل أموال مستفحلة»، حتى إن النيابة العامة في لوكسمبورغ تحدثت عن تهريب سيولة تتجاوز200 مليون دولار.

ورغم أهمية تطور الاهتمام الدولي، يلاحظ أن القضاء اللبناني مكبل بالاستقطاب السياسي، والخلاف القائم بين الرؤساء الثلاثة، فبينما يصر رئيس الجمهورية ميشال عون على محاسبة سلامة على تقصيره، وعلى تحميله مسؤولية الانهيار المالي وإصدار الحكم القضائي بحقه، حتى إقالته وسجنه، يتهيب الموقفَ رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ويتساءلان:

كيف يمكن لدولة أن تدعي على حاكم مصرفها المركزي، وهو ما يزال يمارس مهامه حتى نهاية ولايته القانونية عام 2023؟

وكيف يحدث ذلك معه وهو عضو رئيس في الفريق الحكومي الذي يفاوض صندوق النقد الدولي حول برنامج مساعدات يعلق عليه اللبنانيون آمالا لإنقاذ الاقتصاد الوطني واستعادة عافيته؟

وبعدما اصطدم الرئيس عون بموانع قانونية تحول من دون إقالة سلامة إدارياً، استنفر عدداً من الحقوقيين ورجال القانون لإيجاد تدبير قضائي يمكن أن يؤدي إلى إقالته، وتوصل إلى إصدار مذكرة قضائية باستدعائه للتحقيق معه، ثم توقيفه.

وهذا ما أقدمت عليه القاضية غادة عون، على أمل أن يؤدي ذلك إلى توقيفه عن ممارسة مهامه. لكن ميقاتي نصح عون بالتريث في تنفيذ هذه الخطوة بسبب تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكونها قد تفاقم من حدة الخلاف السياسي، بما يناقض أهم شرط لصندوق النقد الدولي.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى دراسة أعدها فريق من كبار المحامين اللبنانيين، وأرسلها إلى إدارة الصندوق، وهي تحمّل سلامة مسؤولية تداعيات تمويل الدولة بالقروض خلافاً لقانون النقد والتسليف الذي يشير إلى واجبات الدولة بتغطية خسائر المصرف، وليس العكس، وذلك حفاظاً على أموال المودعين.

علماً بأنه سبق للمؤسسة الدولية أن حذّرت من «التأثير السياسي» الذي قد يقوض أهداف البنوك المركزية ويخلق مخاطر طويلة الأجل تشكل تهديداً للاستقرار المالي والاقتصادي. وأكدت الدراسة على ضرورة الرقابة و«المساءلة الشفافة» لضمان الحوكمة الرشيدة.

ولعل الخطورة الأشد برزت في غياب «سلطة الرقابة» على مصرف لبنان، نتيجةَ صلاحيات الحاكم الواسعة وسيطرته على مؤسسات المصرف الرئيسة.

ورغم أن هذا النموذج «غريب»، لاسيما لجهة الجمع بين مهام التنظيم والتنفيذ والرقابة والمحاسبة، وكلها بيد الحاكم، إذ يمنع أي طرف خارجي من التدخل والمحاسبة.

في حين يفترض أن يتم الفصل بينها، لمنع وجود تعارض في أهداف عمل حاكمية البنك المركزي، كما هو حاصل في معظم الدول مثل فرنسا وسويسرا وإنجلترا.

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية

المصدر | الاتحاد