الثلاثاء 29 مارس 2022 05:43 ص

أمام قبر بن غوريون

الخوف ليس على فلسطين، الخوف هو أن يحول ملوك الطوائف العرب المشرق العربي كله إلى أندلس النهاية.

الرمز في اللعبة الإسرائيلية مع عرب التطبيع الخائفين على عروشهم إعلان واضح بأن الوطن العربي خرج من خريطة العالم وصار كمّاً مهملاً.

هنيئاً لوزراء الخارجية العرب بهذا اللقاء في «سديه بوكير» أمام قبر بن غوريون، وليس بعيداً عن المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا.

في سديه بوكير سيتم تثقيف الوزراء العرب بمركز دراسة تراث بن غوريون التابع لجامعة بئر السبع، وتعريفهم بالإنجازات النووية الإسرائيلية في ديمونا جنوب بئر السبع!

اطمئنوا أيها العرب، مصيركم صار بيد إسرائيل، كلوا لحم خروف من الجولان المحتل، واشربوا ماء ثقيلاً مخصباً بيورانيوم ديمونا: نهاية تليق بمن جعل التمسك بالسلطة مبدأه وقمع الحريات شعاره.

* * *

لماذا يعقد لقاء وزراء الخارجية العرب مع وزيري خارجية الولايات المتحدة وإسرائيل في مستعمرة «سديه بوكير» في النقب الشمالي؟ فهذا الكيبوتس كان المكان الذي عاش فيه دايفيد بن غوريون المؤسس الفعلي للدولة العبرية، سنواته الأخيرة، ودفن فيه.

هل صار قبر بن غوريون، حيث سيقف الوزراء العرب منحني الرؤوس أمام ذكرى من أذل بلادهم وطرد الشعب الفلسطيني من وطنه، مكاناً يحج إليه عرب اتفاقيات «أبراهام» من أجل تأكيد ولائهم لقاتل شعوبهم؟

ما جرى في النقب يتجاوز في دلالاته الرمزية كل القمم والمؤتمرات، فإسرائيل تصر على استخدام الرموز في الوقت الذي تمنع فيه الفلسطينيين من الاحتماء برموزهم وذاكرتهم، بل تقوم بتحطيم هذه الرموز بشكل منهجي.

المسألة أبعد من كل الكلام السياسي الذي قيل ويقال. فالذهاب إلى النقب، الذي يتعرض للتطهير العرقي المنظم وتدمر قراه بشكل منهجي، وعقد الاجتماع في ظل مؤسس دولة الأبارتهايد الإسرائيلية، يتجاوز في دلالاته كل الحجج التي قيلت وستقال عن مواجهة «الخطر الإيراني» والتخوّف من تداعيات الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة، الذي بات وشيكاً.

فالرمز في اللعبة الإسرائيلية مع عرب التطبيع الخائفين على عروشهم، هو إعلان واضح بأن الوطن العربي خرج من خريطة العالم، وصار كمّاً مهملاً.

بعد سقوط الناصرية على أثر هزيمة الخامس من حزيران- يونيو، وفشل حرب تشرين-أكتوبر، الذي قاد مصر إلى «سلام» منفرد مع إسرائيل، حاول النظام الإقليمي العربي أن يلمّ أشلاءه عبر محور ثلاثي مؤلف من السعودية وسورية ومصر. كان هذا هو محور الحد الأدنى الذي أنتج «مبادرة السلام العربية» التي ألقت بها إسرائيل في سلة المهملات. لكن هذا المحور بدأ يتفكك خلال غزو العراق 2003، وانتهى عملياً مع بدايات انتفاضات الربيع العربي.

تم إغراق الانتفاضات الشعبية المطالبة بالخبز والحرية بالدم، وبدأت مسيرة الثورة المضادة التي كسرت كل المحرمات، ووجدت نفسها وقد ارتمت في الحضن الإسرائيلي.

منذ «اتفاقيات أبراهام» والعالم العربي يتحول إلى فراغ شامل، تحاول إسرائيل أن تملأه. في هذا الفراغ ينمو الخطاب الطائفي- المذهبي السني- الشيعي، وتعاد سيرة ملوك الطوائف الذين كانوا أداة اندثار الأندلس.

غالباً ما قام المثقفون العرب بتشبيه فلسطين بالأندلس، وهو تشبيه خاطئ، لأن فلسطين قاومت ولا تزال تقاوم. لكن لم يخطر في بال أحد أن يشبّه المشرق العربي بأسره بالأندلس.

هل صار حكام العرب هم ملوك النهاية الذين يؤَندَلِسون المشرق العربي، ويقودونه إلى الاندثار؟

لا أستطيع أن أقرأ قمة شرم الشيخ ولقاء وزراء الخارجية العرب مع وزيري خارجية إسرائيل والولايات المتحدة في «سديه بوكير» في النقب، سوى بصفتها إعلان إفلاس وخضوع.

من الواضح أن الأنظمة العربية تلجأ إلى إسرائيل من أجل حمايتها من تداعيات الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني. إسرائيل وأنظمة الاستسلام في مركب واحد أمام الرعب من الانسحاب الأمريكي من المنطقة.

تعابير الخيانة والاستسلام فقدت معانيها، وسوف يأتيك غداً من يحتمي بمنشار بن سلمان، كي يعطيك دروساً في الواقعية والتعددية وضرورة طي صفحة الصراع مع إسرائيل.

نسي الحكام العرب أو قرروا أن يتناسوا كل شيء يتعلق بالمأساة الفلسطينية، لكن إسرائيل لم تنس.

اجتماع «سديه بوكير» هو قمة الإذلال، وهو إذلال رمزي تمارسه إسرائيل، من دون مراعاة حلفائها الجدد.

يذهبون للحج أمام قبر مؤسس النكبة، وأول رئيس لوزراء دولة قامت بطرد فلسطين من فلسطين، وهناك سوف تنحني الهامات أمام «النبي المسلح». حكام العرب يعلمون أنهم سيكونون في حضرة نبي كاذب، وأمام من رسم الخطة «دالت» للتطهير العرقي الدموي في فلسطين، لكنهم لا يبالون.

إنها أندلس المشرق العربي، متسلطون يعتقدون أنهم يستقوون بإسرائيل على شعوبهم أولاً، وعلى إيران ثانياً، وعلى بعضهم البعض ثالثاً، في محاولة يائسة لإنقاذ عروشهم وكراسيهم.

يتشبهون بملوك الطوائف الذين تحالفوا مع أعدائهم القشتاليين في سبيل حماية أنفسهم من أقرانهم فانتهوا مطرودين من بلادهم.

الخريطة العربية تغرق في رمال صحراء النقب، وتختفي.

نستطيع أن نقول فليذهبوا إلى الجحيم الذي اختاروه. فالمال والنفط والثروة ليست مصدر قوة إلا لمن يحسن استخدامها، ويوظفها في خدمة الناس. أما حين تكون الثروة حكراً على بنية حاكمة مستبدة ومذعورة وخائفة، فإنها تصير أداة ضعف وطريقاً إلى الهلاك.

لم تعد المسألة هي الخوف على فلسطين. خروجهم من لعبة المتاجرة يريح الفلسطينيين شرط ألا تسقط القيادات الفلسطينية في شرك الفساد والصراعات الداخلية. لكن للأسف، فقد سقطت فلسطين في هذا المستنقع الذي يوحي بأن غيابها هو نتيجة الحلف العربي الإسرائيلي، وهذا ليس صحيحاً.

الخوف ليس على فلسطين، الخوف هو أن يقوم ملوك الطوائف العرب بتحويل المشرق العربي كله إلى أندلس النهاية.

هنيئاً لوزراء الخارجية العرب بهذا اللقاء في «سديه بوكير» أمام قبر بن غوريون، وليس بعيداً عن المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا.

في «سديه بوكير» سوف يتم تثقيف الوزراء العرب في مركز دراسة تراث بن غوريون التابع لجامعة بئر السبع، كما سيتم تعريفهم على الإنجازات النووية الإسرائيلية في مدينة ديمونا، التي تقع جنوب بئر السبع!

اطمئنوا أيها العرب، مصيركم صار في يد إسرائيل، كلوا لحم خروف من الجولان المحتل، واشربوا ماء ثقيلاً مخصباً باليورانيوم من ديمونا، فهذه النهاية تليق بمن جعل التمسك بالسلطة مبدأه، وقمع الحريات شعاره.

* الياس خوري كاتب صحفي وروائي لبناني

المصدر | القدس العربي