الأحد 10 أبريل 2022 08:29 ص

ما بعد العولمة

هناك من وصفها بالقول بأن «العولمة أعلى مراحل الراسمالية»، فلا مرحلة تالية بعدها، وإنما استمرارية لها.

هل يقترب العالم من نقطة تحوّل صوب حقبة (بلا عولمة) ما يثير تساؤلات حول النظام الذي سيشكله العالم الجديد بعد تفكك تلك العولمة؟

لم تعد حرب أوكرانيا فعليا حرباً بين جيشي روسيا وأوكرانيا بل هي حرب بين روسيا والغرب مجتمعاً وسيكون لها من النتائج الشيء الكثير.

الترابط الاقتصادي العالمي بعنوان «العولمة» لم يعد بالتماسك الذي كان عليه، وأن «نهاية التاريخ» التي بشروا بها هي بداية عصر جديد آتٍ بلا ريب.

تتنامي الاتجاهات «الشعبوية» في بلدان أوروبية كثيرة وتدعو لمغادرة الاتحاد الأوروبي أو الحدّ من الالتزامات التي تفرضها العضوية فيه على الدول الأعضاء.

تعود بدايات «تفكك» العولمة أو تراجعها إلى أزمة 2008 الاقتصادية والمالية الكبرى فبينما زادت العولمة الترابط الاقتصادي، فإن ظاهرة «التخلص من العولمة» تشير للتراجع عن التكامل الاقتصادي العالمي ومزيد من الانكفاء.

* * *

هل أزفت العولمة من نهايتها، هي التي حسبناها، أو للدقة حسبها الكثيرون منا، نهائية وفاصلة، ولا عودة عنها، مصدقين ما قاله فوكاياما من أن «نهاية التاريخ» مرتبطة بها؟

وهناك من وصف ذلك بالقول بأن «العولمة أعلى مراحل الراسمالية»، فلا مرحلة تالية بعدها، وإنما استمرارية لها، فإذا ما يحيط بنا من تطورات، ابتدأت أولاً بالتحديات التي طرحتها، وربما لا تزال تطرحها، جائحة «كورونا»، لتبلغ ذروتها في الجو الدولي الناشئ بسبب حرب أوكرانيا، التي لم تعد، في الجوهر، حرباً بين جيشي روسيا وأوكرانيا، وإنما هي، وبامتياز، حرب بين روسيا من جهة والغرب مجتمعاً من ناحية أخرى، سيكون لها من النتائج الشيء الكثير.

هل نحن على وشك الدخول في «ما بعد العولمة»، في ظل الحديث المتزايد عن تفككها، خاصة مع حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع في التكاليف ونقص في المعروض، على نحو ما يشير تحليل رصين نشره موقع «دي. دبليو» الألماني، يرى كاتبه «أن العالم يقترب من نقطة تحوّل صوب حقبة (بلا عولمة) ما يثير تساؤلات حول النظام الذي سيشكله العالم الجديد»، بعد تفكك تلك العولمة؟

المختصون، خاصة في مجال الاقتصاد، يرجعون بدايات «تفكك» العولمة، أو تراجعها إلى الأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى التي عرفها العالم في العام 2008، فبينما أدت العولمة إلى زيادة الترابط الاقتصادي، فإن ظاهرة «التخلص من العولمة» تشير إلى تراجع عن التكامل الاقتصادي العالمي، وإلى المزيد من الانكفاءات.

وفي هذا المجال لا بأس من التذكير بالسياسة الاقتصادية التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الرامية إلى تركيز الاهتمام الاقتصادي بالداخل الأمريكي، وتحرير واشنطن، ما أمكن، من أعباء الالتزامات الخارجية، التي تنجم عنها أعباء مالية لا طاقة لأمريكا بها، وسياسة مثل هذه قد تعود بقوة في حال عاد الجمهوريون إلى الحكم في الانتخابات القادمة.

وليس منفصلاً عن هذا تنامي الاتجاهات المعروفة بـ«الشعبوية» في الكثير من البلدان الأوروبية، التي تدعو لمغادرة الاتحاد الأوروبي، أو الحدّ من الالتزامات التي تفرضها العضوية فيه على الدول الأعضاء.

ولافت أنه في ذروة أزمة أوكرانيا واشتعال الحرب، يحقق هذا الاتجاه نصراً مبيناً في الانتخابات في بلد أوروبي شرقي، وليس من غرب أوروبا، بكل ما في ذلك من دلالات، هو المجر.

أشياء كثيرة تتغير في عالمنا اليوم، وقد يكون مبكراً الجزم بطبيعة مجراها، لكن المؤكد أن الترابط الاقتصادي العالمي الذي عُنون بـ«العولمة» لم يعد بالتماسك الذي كان عليه، وأن «نهاية التاريخ» التي جرى التبشير بها، ما هي إلا بداية لعصر جديد آتٍ لا ريب فيه.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج