السبت 16 أبريل 2022 04:04 م

مركز أوروبا وهامشها

استفز زيلنسكي، برفضه زيارة الرئيس الألماني، أهم دولة في «المركز»، وقدّم لبوتين هدية على طبق من ذهب.

تتوجه الأنظار نحو ألمانيا وفرنسا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وإضافة إلى ألمانيا وفرنسا يمكن الحديث أيضاً عن دور إيطاليا.

ارتكب الرئيس الأوكراني حماقة كبرى برفضه زيارة الرئيس الألماني لكييف، فيما فتح الأبواب لقادة بولندا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا.

تظهر دول شرق أوروبا تشددا تجاه العملية العسكرية الروسية بأوكرانيا وتداعياتها مقارنة بالموقف المتوازن لكل من ألمانيا وفرنسا خاصة تجاه ما يدور.

مركز أوروبا بلدان مفصلية ذات أهمية اقتصادية وقوة عسكرية وما يترتب عليهما من دور سياسي داخل أوروبا وخارجها في العلاقة بالقوى الدولية غير الأوروبية.

رغم إدانة ألمانيا وفرنسا الشديدة لغزو روسيا أوكرانيا وتقديمهما الدعم لأوكرانيا، لكنهما تحرصاًن على عدم دفع روسيا نحو تشدد أكثر وتسعيان لتسوية تنهي الحرب.

* * *

لن يكون الحديث هنا عن الجغرافيا، فليس المقصود بمركز أوروبا تلك البلدان الواقعة، جغرافياً، في قلب القارة أو وسطها، وليس المقصود بهامشها تلك البلدان الواقعة في أطراف القارة، فحين نتحدث عن مركز أوروبا نعني تلك البلدان المفصلية فيه، من حيث الأهمية الاقتصادية والقوة العسكرية، وما يترتب عليهما من دور سياسي مقرر داخل أوروبا وخارجها، في العلاقة مع القوى الدولية الأخرى، غير الأوروبية.

وطبيعي أن تتوجه الأنظار في مثل هذه الحال، نحو ألمانيا وفرنسا، بعد أن اختارت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، ما أضفى المزيد من الاستقلالية على قرارها السياسي، بصرف النظر عن الموقف من طبيعة هذا الدور وأبعاده، وإضافة إلى ألمانيا وفرنسا يمكن الحديث أيضاً عن دور إيطاليا.

ولا نسقط من الاعتبار الأهمية الاقتصادية لدول أخرى في القارة، خاصة تلك الداخلة في ما كان يعرف بغربي أوروبا، يوم كانت القارة منقسمة إلى معسكرين، غربي وشرقي، رأسمالي واشتراكي، ولكن هذه الأهمية لن تبلغ ما للدول التي أشرنا إليها في البداية من مكانة.

بنهاية الحرب الباردة انضمت إلى الاتحاد الأوروبي أغلبية، وربما جميع الدول التي كانت منضوية تحت مظلة حلف وارسو، بل إن بعضها انضم إلى حلف «الناتو» أيضاً، إما تحت ضغوط أمريكية أطلسية، وإما تحت تأثير مشاعر الكراهية أو الريبة التي تكنّها النخب التي حكمت هذه البلدان، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تجاه روسيا.

هذا يفسر، إلى حدود بعيدة، مظاهر التشدد الذي تظهره دول شرقي أوروبا تجاه العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتداعياتها، مقارنة بما يمكن أن نصفه بالموقف المتوازن لكل من ألمانيا وفرنسا خاصة، تجاه ما يدور!

فرغم إدانتهما الشديدة لدخول القوات الروسية أراضي أوكرانيا، وتقديمهما أوجه دعم ليست قليلة لكييف، لكن الدولتين تظهران حرصاً على عدم دفع روسيا نحو المزيد من التشدد، وتسعيان لبلوغ تسوية ما، تنهي الحرب.

«هامش» أوروبا حتى لو زاد عدد الدول الداخلة فيه، يظل هامشاً قياساً إلى الأهمية الحاسمة لمركزها، وربما هذا ما يتعين الفطنة إليه، فالقرار الحاسم هو بيد هذا المركز، حتى لو اقتصر على دولتين أو ثلاث، لكنها تفوق في الأهمية البقية.

لذا نرى اليوم ما يشبه الإجماع في موقف راسمي القرارات الوازنين، وكذلك المحللين بعيدي النظر على القول إن الرئيس الأوكراني ارتكب حماقة كبرى برفضه زيارة الرئيس الألماني لكييف، فيما فتح الأبواب لقادة أربع دول، هي بولندا وجمهوريات البلطيق الثلاث: لاتفيا، ليتوانيا، استونيا، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

استفز زيلنسكي، بخطوته هذه، أهم دولة في «المركز»، وقدّم لبوتين هدية على طبق من ذهب.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج