الأحد 17 أبريل 2022 01:27 م

كيف مهد ستالين الساحة أمام بوتين ليغزو أوكرانيا؟

كتاب "المجاعة الحمراء.. حرب ستالين على أوكرانيا" صدر عام 2018 لمؤلفته آن أبلباوم الفائزة بجائزة "بوليتزر".

يرفض بوتين انضمام أوكرانيا لحلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي لتبرير ما يقوم به من تدمير ممنهج للرغبة الأوكرانية في الاستقلال التام عن روسيا.

يطلق لفظ "هولودومور" أي "إبادة الجوع" على هذا الفترة من التاريخ الأوكراني فتوفي نحو 5 ملايين شخص سوفياتي بين 1931 و1933 منهم 3 ملايين أوكراني.

استغل ستالين المجاعة لتصفية مشكلة سياسية والقضاء على أكثر من 3 ملايين أوكراني في حين ارتفعت نزعة الحس الوطني الأوكراني الساعي للاستقلال عن الاتحاد السوفياتي.

بالمجاعة الأوكرانية والأحداث المحيطة بها هجوما استهدف ستالين الأوكرانيين ووجودهم الوطني المستقل فـ"المجاعة حدثت وكانت متعمدة وكانت جزءا من خطة سياسية لتقويض الهوية الأوكرانية".

* * *

في عام 1929، أطلق الزعيم السوفياتي السابق جوزيف ستالين (1878-1953) سياسته للزراعة الجماعية، وهو ما عدّها بعض المؤرخين بمثابة ثورة روسية أخرى بعد الثورة البلشفية التي وقعت عام 1917 وجاءت بالشيوعيين (البلاشفة) لسدة الحكم.

أُجبر ملايين الفلاحين السوفيات على ترك بيوتهم وأراضيهم الخاصة لينضموا بالقوة إلى المزارع الجماعية، وكانت النتيجة مجاعة كارثية بين عامي 1932 و1933، كانت الأكثر فتكا في التاريخ الأوروبي.

ويطلق لفظ "هولودومور" (Holodomor) أي "إبادة الجوع" على هذا الفترة من التاريخ الأوكراني، إذ توفي ما لا يقل عن 5 ملايين شخص بين عامي 1931 و1933 في الاتحاد السوفياتي، منهم 3 ملايين أوكراني على الأقل.

ويدّعي كتاب آن أبلباوم الكاتبة بصحيفة نيويورك تايمز، وعنوانه "المجاعة الحمراء.. حرب ستالين على أوكرانيا"؛ أنه وبدل إرسال الإغاثة أو الإسراع بإجراءات تواجه الكارثة، استغلها ستالين لتخليص نفسه من مشكلة سياسية والقضاء على أكثر من 3 ملايين أوكراني، في وقت ارتفعت فيه نزعة الحس الوطني الأوكراني الساعي للاستقلال عن الاتحاد السوفياتي.

حرب ستالين على أوكرانيا

يتعرض كتاب أبلباوم -الذي جاء في 15 فصلا و496 صفحة- لتفاصيل سلسلة التمردات التي عرفتها أوكرانيا ضد الدولة السوفياتية؛ سعيا للاستقلال عنها، ورفضا لضمها إلى الإمبراطورية السوفياتية التي تحكمت فيها روسيا في مصير 14 جمهورية أخرى، وأدى إلى أن يقرر ستالين القضاء على الملايين من الفلاحين الأوكرانيين.

لم تكن المجاعة نتيجة ظروف مناخية معاكسة مثل الجفاف الشديد، بل كان نتاجا للسياسات الحكومية، وسوء الإدارة الحكومية وفسادها.

وكانت فكرة المزارع الجماعية قسرية في الأساس، مثلما كانت الحال مع التصنيع القسري، وكلاهما كان جزءا من حزمة سياسات التحديث الخارقة التي أطلقها ستالين في المرحلة الأولى من قيادته.

وكان من الضروري تمويل النمو الصناعي من خلال صادرات الحبوب، التي كان من المفترض أن يسهلها التجميع من خلال المشتريات الحكومية الإلزامية والأسعار غير القابلة للتفاوض.

كانت المشكلة هي كيفية إخراج الحبوب من الريف، لم تكن الدولة تعرف كمية الحبوب التي يمتلكها الفلاحون بالفعل، لكنها اشتبهت (وكانت محقة) في أن كثيرا من الحبوب كان مخفيا، وأعقب ذلك صراع حاد بين وكلاء الدولة والفلاحين حول تسليم الحبوب.

وبحلول أوائل عام 1932، انتشر الفساد في المزارع الجماعية في الريف، مما أدى إلى تعطيل الدورات الزراعية العادية وتدمير الأساليب الراسخة للزراعة والحصاد والتوزيع.

أغلقت الدولة السوفياتية حدود الجمهورية الأوكرانية، واستولت على جميع المواد الغذائية المتاحة. وبدأت المجاعة تنتشر وبسرعة، وأكل الناس أي شيء، وكل شيء: العشب، وأوراق الأشجار، والكلاب، والجثث. ويشير الكتاب إلى أنه في بعض الحالات قتل الأشخاص بعضهم البعض من أجل البقاء على قيد الحياة.

ويتمثل نهج أبلباوم في فهم المجاعة الأوكرانية الكبرى في اتباع مسارين مترابطين، وأحيانا غير واضحين، يهيمنان على العلاقات بين موسكو وأوكرانيا في فترة ما بعد الثورة البلشفية؛ المسار الأول هو تطور الوعي الوطني الأوكراني، وكان التحول في السياسات السوفياتية بعد القتال الشرس خلال الحرب الأهلية يُنظر إليه من قبل موسكو على أنه وسيلة لكسب الولاء الأوكراني للقضية السوفياتية.

كان الهدف من الترويج للغة والثقافة والتاريخ الأوكراني في منتصف وأواخر عشرينيات القرن الماضي هو جعل أوكرانيا متوافقة مع سياسات موسكو، مع السماح لأوكرانيا بفرصة المضي قدما في التحديث، مسترشدة بالحزب الشيوعي الأوكراني الذي يمثل شعبها وطريقهم إلى الاشتراكية.

وعندما سيطر ستالين على الآلة السياسية السوفياتية وافتتح "الثورة الزراعية" واجهت خططه عقبات في أوكرانيا وأماكن أخرى؛ فقد كان ينظر إلى اللغة والهوية الأوكرانية على أنها تهديد لأهداف موسكو، وشنّ ستالين هجوما على خصومه الأوكرانيين، فقد تم عزل القادة السياسيين الأوكرانيين من مناصبهم، وأغلقت المؤسسات الثقافية الأوكرانية، وحتى الأبجدية الأوكرانية التي صيغت حديثا تم حظرها من الاستخدام.

توضح أبلباوم أن توقيت الهجوم على النخبة الوطنية الأوكرانية واعتقال وترحيل النخبة الأوكرانية وإطلاق النار عليهم (نحو 200 ألف شخص) -الذي وقع بالتزامن مع المجاعة- لم يكن من قبيل الصدفة؛ لقد عكس ذلك إلى حد ما جهدا متضافرا من جانب ستالين ورفاقه للحد مما شعروا بأنه اتجاهات خطيرة نحو الاستقلال الأوكراني ظهرت في البداية خلال الحرب الأهلية، لكنها تسارعت برأيهم خلال فترة الزراعة الجماعية.

المسار الثاني الذي تستكشفه أبلباوم هو حرب موسكو ضد فلاحي الاتحاد السوفياتي، خاصة الفلاحين الأوكرانيين. من وجهة نظر الشيوعيين -خلال الحرب الأهلية- اصطف الفلاحون الأوكرانيون إلى مجموعة متنوعة من القوى "المعادية للثورة"، وتعرضت القرى لمجموعة متنوعة من سياسات "شيوعية الحرب"، التي تعني الاستيلاء القسري على حبوبها.

وكان العنف في الريف الأوكراني -بل وفي جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي- شديدا ومستمرا. كانت الدروس التي استخلصها البلاشفة -وقبل كل شيء ستالين- من تمردات الفلاحين هي الحاجة إلى سحق قدرة الفلاحين على المقاومة مرة واحدة وإلى الأبد، لأن هذا وحده كفيل بضمان مستقبل الدولة السوفياتية.

ومع ذلك، أعرب ستالين عن مخاوفه من أن الانتفاضات الأوكرانية في الريف ستجذب التدخل الخارجي، وكتب ستالين رسالة بعنوان "يمكن أن نخسر أوكرانيا" إلى نائبه للشؤون الأوكرانية لازار كاغانوفيتش في أغسطس/آب 1932.

أوكرانيا من مجاعة الأمس إلى غزو اليوم

يرجع بعض المؤرخين اليوم غزو روسيا -خليفة الاتحاد السوفياتي- إلى رفضها استقلال أوكرانيا، ومعارضتها رغبة الأوكرانيين في الابتعاد عن روسيا والاقتراب من دول غرب أوروبا. وكان لستالين عداء خاص ضد أوكرانيا بسبب مخاوفه النابعة من موقعها الحدودي المجاور لأعداء الاتحاد السوفياتي التاريخيين في الغرب.

ورأى بعض المعلقين أن ستالين ارتكب عملا من أعمال الإبادة الجماعية من جانب الاتحاد السوفياتي (روسيا اليوم) ضد أوكرانيا، يشبه في جوهره ما يقوم به بوتين اليوم، وصنفه الغرب بأنه أعمال إبادة جماعية.

وتشبّه الكاتبة آن أبلباوم ما يحدث اليوم بما جرى في ثلاثينيات القرن الماضي، وترى أنه بمجرد أن بدأت أوكرانيا اكتساب بعض القوة والثقة في النفس، نظرت موسكو إلى الحركة الوطنية الأوكرانية على أنها تهديد محتمل لوحدة روسيا الإمبريالية.

ومثل الجورجيين والشيشان وغيرهم من الجماعات التي سعت إلى الحكم الذاتي داخل الإمبراطورية السوفياتية، تحدى الأوكرانيون سيادة اللغة الروسية والتفسير الروسي للتاريخ الذي وصف أوكرانيا بأنها مقاطعة تقع جنوب غربي روسيا، وأنها مجرد مقاطعة من دون أي هوية وطنية. ودائما خشت روسيا من أن يتمكن الفلاحون الأوكرانيون من اكتساب نفوذ اقتصادي، وهو ما قد يتبعه المطالبة بحقوق سياسية أكبر.

وترى أبلباوم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقوم بما قام به ستالين، مستخدما أساليب ومبررات معاصرة؛ مثل رفض انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أو للاتحاد الأوروبي، لتبرير ما يقوم به من تدمير ممنهج للرغبة الأوكرانية في الاستقلال التام عن روسيا.

معضلة الإبادة الجماعية

وتترك أبلباوم "مسألة الإبادة الجماعية" للفصل الأخير من الكتاب، وتصفه بأنه سؤال مثير للجدل بشكل مرهق، خاصة في السياق الروسي والأوكراني.

وتعتقد الكاتبة أن المجاعة الأوكرانية الكبرى والأحداث المحيطة بها كانت هجوما مستهدفا من قبل ستالين على الأوكرانيين ووجودهم الوطني المستقل. وبهذا المعنى، فهي توافق على أن "المجاعة حدثت، وأنها كانت متعمدة، وأنها كانت جزءا من خطة سياسية لتقويض الهوية الأوكرانية".

في نهاية المطاف، لا تتبنى أبلباوم الحجة والرواية الأوكرانية القائلة إن ما جرى كان عملا من أعمال الإبادة الجماعية.

من هي آن أبلباوم؟

آن أبلباوم صحفية أميركية كاتبة مقالات رأي بارزة في صحيفة نيويورك تايمز، متزوجة من وزير الدفاع والشؤون الخارجية البولندية الأسبق رادوسلاف سيكورسكي.

ولعبت أبلباوم دورا رئيسيا في تغطية أزمة "ثورة الميدان في أوكرانيا عام 2014″، ودعت إلى فرض عقوبات صارمة على روسيا، وتعد أحد أكثر المعلقين السياسيين انتقادا لروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، وهو ما جعلها مستهدفة بحملات تشويه لا تتوقف على وسائل التواصل الاجتماعي الروسية.

وطالبت أبلباوم بضرورة الاعتراف بالفظائع السوفياتية على قدم المساواة مع تلك التي ارتكبتها ألمانيا النازية في الفترة نفسها من تاريخ أوروبا.

واستعانت الكاتبة أبلباوم بكثير من مواد الأرشيف الوطني الأوكراني والروسي، بما في ذلك أعداد كبيرة من مذكرات المجاعة الأوكرانية.

* محمد المنشاوي كاتب وباحث في الشؤون الأميركية من واشنطن

المصدر | الجزيرة نت