الدراسات المستقبلية: المنهج والتطبيق

دراسة المستقبل ليست مستحيلة ولا رجما بالغيب، بل هي دراسات مطلوبة، حيث كانت على رأس الموضوعات التي عرضها القرآن الكريم.

هكذا تمضي السورة ببيان الشواهد كل شاهد في إطاره، وتتدرج الشواهد حسب أهميتها للناس، وهو ما يتطلب الشكر الواضح: {ولعلكم تشكرون}.

منهج الاستقراء أفضل منهج للدراسات المستقبلية، وهو ما اتخذته سورة النحل في دراستها للموضوع الذي تضمن قضية مستقبلية كانت موضع شك من الناس.

تأتي وقفة تستحق التساؤل للتذكير، وهي من مقتضيات تثبيت الشواهد: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}؟!

مع كل خطوة في آليات الاستقراء يكون التثبيت: {إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون، لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين}.

* * *

إن الدراسات المستقبلية ليست مستحيلة، ولا هي رجم بالغيب، وإنما هي دراسات مطلوبة، حيث كانت على رأس الدراسات التي عرضها القرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك ما جاء في سورة النحل، ولعل أفضل منهج للدراسات المستقبلية هو منهج الاستقراء، وهو ما اتخذته سورة النحل في دراستها للموضوع الذي تضمن قضية مستقبلية كانت موضع شك من الناس.

الموضوع: بدأت السورة بطرح القضية في قوله تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون، ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون".

هكذا طرحت السورة الموضوع بشكل واضح، وهو تحقق أمر الله في وقت قريب، سواء بالعذاب أو العفو والرحمة، أي أنه حدث مستقبلي. مطالبا بعدم استعجاله باعتبار أنه ليس في مصلحة من يشك فيه أن يعجل عليه، لأن من وعد به له القدرة على الإتيان به (سبحانه وتعالى) أكثر ممن يشركون به (عما يشركون).

ثم عرض كيفية طرح القضية من خلال ملائكة تنزل بالكتاب على أشخاص يختارهم، ينذرون من خلاله أنه لا إله إلا الله فخافوه.

منهج الاستقراء

الآليات: شواهد مدعمة بالدراسة والتأمل:

الشاهد الأول {خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون. فلا يستطيع أحد أن يزعم أنه شارك في خلق السموات والأرض}.

الشاهد الثاني {خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين}. هذا أمر واضح يمكن استشعاره والتسليم به.

الشاهد الثالث {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون، وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولوشاء لهداكم أجمعين}. ضرورات الحياة البشرية بما فيها من توجيه، وما عليها من عقوق وخروج، وهو أيضا بمشيئة الخالق.

الشاهد الرابع {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}. استكمال لضرورات الحياة الطيبة، وهو ما يتطلب مراجعته بالتفكير.

الشاهد الخامس: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. متطلب آخر يمكن استشعاره من خلال العقل فهو آية لقوم يعقلون}.

هكذا تمضي السورة ببيان الشواهد كل شاهد في إطاره، وتتدرج الشواهد حسب أهميتها للناس، وهو ما يتطلب الشكر الواضح: (ولعلكم تشكرون)

ثم تأتي السورة إلى وقفة تستحق التساؤل للتذكير، وهي من مقتضيات تثبيت الشواهد: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}؟! حتى هذا التوقف ينبغي له عرض شاهد على ضرورة التجاوب مع الشواهد السابقة: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم! والله يعلم ما تسرون وما تعلنون}!

ثم تتخذ السورة الخطوة التالية في آليات الاستقراء وهي المناقشة: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}.

مع كل خطوة في آليات الاستقراء يكون التثبيت: {إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون، لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين}.

ثم تفتح السورة بابا آخر للمناقشة يتجه إلى تأكيد اقتراب أمر الله (القضية المطروحة): {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون}؟!

ومن ثم يستتبع هذا الشاهد شاهد آخر يؤكد مستقبلية الشاهد السابق: {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين}.

وتمضي السورة في بيان تداعيات الشك أو القبول للشواهد المطروحة التي يمكن استقراء النتائج منها، وتستمر الآيات الجدلية مصحوبة بشواهد جديدة حتى تصل إلى أبعاد غير مطروقة، أو أمور لا تصل إلى فكر من لا يدرس الظواهر والشواهد ويستقرؤها.

بعدها تكون التوصيات الواجبة للتذكير: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون……..

ثم تتطرق السورة إلى توصيات أشد في سياق أمر، ومن التوصيات ما يصل بعضها إلى التحريم: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير…}.

وتختم السورة بما يلخص العمل الذي يتطلب الاستقراء القيام به إزاء هذا الموضوع والقضية التي تضمنها: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}. صدق الله العظيم.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الآداب، جامعة عين شمس.

المصدر | facebook.com/msmomen