السبت 23 أبريل 2022 10:51 ص

القروض والسمكة والسنارة وغياب الأولويات

"لا تعطني سمكة، بل عَلّمْني كَيْفَ اصطادها" و"لا تعطني السنارة، بل علمني كيف أصنعها"!

الأوطان لا تُبنى بتناول المواطن سمكة مهداة من أحد الأغنياء أو المتصدقين والسمك هنا هي القروض الخارجية والمساعدات والمنح.

تُبنى الدول والاقتصادات الوطنية بالقطاعات والأنشطة الاقتصادية الحيوية مثل الصناعة والإنتاج والاستثمار المباشر والزراعة والتجارة والبنية التحتية.

القروض والمنح الخارجية تقود الدول مباشرة للتبعية وارتهان القرار الوطني السياسي والاقتصادي لدول ومؤسسات أجنبية تغرقك في الديون وقفزات الأسعار وإن زُعم أنها تساعدك.

الإنتاج والاستثمار المباشر والاكتفاء الذاتي من السلع الرئيسية كالقمح والحبوب والأغذية والأدوية والسلع الضرورية وتوفير مدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة يحقق كل المزايا.

* * *

"لا تعطني سمكة، وَإنّمَا عَلّمْني كَيْفَ اصطادها"، مثل شعبي صيني شهير، وإذا أردنا تكملة هذا المثل، يمكن أن يكون على النحو الآتي: "ولا تعطني السنارة، بل علمني كيف أصنعها".

لو طبقنا هذا المثل الصيني علينا هذه الأيام، لتغلبنا على الكثير من المشاكل والأزمات المالية والاقتصادية والمعيشية، ومنها الجوع والتسول والبطالة وغلاء الأسعار وزيادة التضخم وتهاوي قيمة العملة المحلية وتدني الأجور والرواتب وعجز الموازنات العامة، وغيرها من الأزمات التي تؤرق المواطن والاقتصاد، وتهدد المراكز المالية للدول وتدفعها إلى مد اليد للخارج.

فالأوطان لا تُبنى بمجرد تناول المواطن السمكة المهداة من أحد الأغنياء أو المتصدقين، والسمكة هنا هي القروض الخارجية والمساعدات والمنح، سواء المقدمة من الدول التي تمتلك فوائض مالية، أو من المؤسسات المالية الدولية التي تسعى لأن تحكم قبضتها على العالم مثل صندوق النقد والبنك الدوليين

ولا تُبنى الأوطان كذلك بالأموال والاستثمارات الساخنة التي يتم إغراؤها من قبل الحكومات بالقدوم السريع عبر منحها أسعار الفائدة العالية وضمان خروجها في أي وقت.

التجارب أثبتت أن هذه الأموال السهلة مضرة للاقتصادات الوطنية ومدمرة لأسواق الصرف والعملات المحلية، لأنه في حال حدوث مشكلة أو خطر داخل الدولة تهرب بسرعة محملة بمئات الملايين من الدولارات التي جنتها في فترة قصيرة من الاستثمار في أدوات الدين الحكومية المضمونة مثل سندات الخزانة وأذون الخزانة.

بل تُبنى الدول والاقتصادات الوطنية بالقطاعات والأنشطة الاقتصادية الحيوية مثل الصناعة والإنتاج والاستثمار المباشر والزراعة والتجارة والبنية التحتية القوية والقطاعات الخدمية ومنها السياحة، كما تُبنى بالاهتمام بأبرز قطاعين وهما التعليم والصحة، وليس بالقطاعات الريعية التي تكون مرتعاً للمضاربات وتسخين وغسل الأموال وتحقيق الأرباح السريعة.

القروض والمساعدات والمنح الخارجية تقود الدول مباشرة إلى التبعية والارتهان للخارج، ورهن القرار الوطني السياسي والاقتصادي لدول ومؤسسات خارجية قد تعمل على إغراقك في الديون وقفزات الأسعار، حتى وإن ظهر في العلن أنها تساعدك.

أما الإنتاج والاستثمار المباشر والاكتفاء الذاتي من السلع الرئيسية، مثل القمح والحبوب والسلع الغذائية والأدوية وغيرها من السلع الضرورية، وتوفير مدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة، فتحقق للدولة عشرات المزايا.

توفر فرص عمل تستوعب ملايين العاطلين من العمل، وتطعم أفواه ملايين الجوعى، وتساهم في إحداث قفزة في قيمة الصادرات الخارجية، وتلعب دوراً في الحد من الواردات التي تستنزف احتياطي الدولة من النقد الأجنبي، وتوفر السيولة الدولارية المطلوبة لسداد أعباء الديون والدفاع عن العملة وتمويل الورادات، وتستقطب الأموال والاستثمارات الحقيقية من الخارج وليست الأموال الباحثة عن أرباح سريعة وخلال أوقات قصيرة.

كما تساهم في رفع المستوى المعيشي للأفراد، وزيادة القدرة الشرائية للمواطن، وتوفير احتياجاته الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج وتعليم وملبس ومواصلات عامة.

إذاً، "لا تُعطني قروضا ومنح ومساعدات لتغرقني في وحل الاستدانة والذل والهم، وَإنّمَا عَلّمْني كَيْفَ اصنع الأموال وأوجهها نحو تمويل الأولويات ومنها الأمن الغذائي والصحة والتعليم"، وصدق من قال: "علمني كيف اصطاد ولا تعلمني كيف آكل السمكة".

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد