السبت 23 أبريل 2022 11:08 ص

أموال نفط العراق.. و«الصندوق السيادي»

استمرار حالة «الفساد»، المسبب الأخطر لهدر المال العام، وتحول من «ظاهرة مرفوضة إلى ثقافة عامة وسلوك لقوى السلطة».

«الدولة العراقية تعاني من قوى اللادولة، وهي وسائل متشابكة تنخر في جسد الدولة وتنهب موازناتها لمصلحة قوى سياسية خارج السيطرة الحكومية».

عمَّقت ثقافةُ الفساد الهيمنة على مؤسسات الدولة وتتحمّل الأحزابَ السياسيةَ «كاملَ المسؤولية» عن فساد تحول لـ«دولة رديفة» مدججة بالسلاح والمنظرين وبمن يحميها.

تعترف الحكومة بخطورة الفساد واستمرار مسيرته وتمثل «المحاصصة السياسية» باباً واسعاً لتفشي الظاهرة بسبب قدرتها على تحجيم دور الجهاز الرقابي وإضعاف حوكمة النظام العام للدولة.

* * *

رغم أن العراق يعاني أزمةً ماليةً ومشاكلَ اقتصاديةً واجتماعيةً، فإن الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي تقوم بتصريف الأعمال منذ استقالتها إثر الانتخابات النيابية قبل نحو 6 أشهر من الآن، لكنها لا تستطيع إحالة مشروع قانون موازنة العام الحالي إلى مجلس النواب الجديد، وهي تترك ذلك للحكومة المقبلة التي يتعثر تشكيلها بسبب «انسداد سياسي محكَم» بين الأحزاب، مع العلم بأن كل تأخير ينعكس سلباً على حياة المواطن العراقي.

وقد دعا الكاظمي «القوى السياسيةَ» إلى العمل بكل جد للاتفاق على صيغة تشكيل حكومة تعِد الموازنة وتقدمها للبرلمان وتفي بالتزاماتها تجاه المواطنين العراقيين. وفي الواقع مهما كانت أسباب التأخير، هناك مخالفة دستورية للمهل المحددة، فالمادة 62 من الدستور العراقي توجب على الحكومة تقديمَ الحسابات الختامية قبل إقرار الموازنة. وعلى وزارة المالية والتخطيط تقديمَها إلى مجلس الوزراء في سبتمبر من كل عام، لمناقشتها في منتصف أكتوبر وإحالتها إلى البرلمان لإصدارها، وفي حال عدم إقرارها حتى31 ديسمبر، يمكن أن يتم الصرف على قاعدة «الإثني عشرية».

وهذا الأمر يتم عندما تكون الحكومة القائمة تتمتع بشرعية كاملة، وليست «حكومة تصريف أعمال». لذا دعا النائب الأول لرئيس مجلس النواب حاكم الزاملي إلى أن يصوت البرلمان على تفويض حكومة الكاظمي بإرسال مشروع الموازنة إلى المجلس لمناقشته وإقراره.

وسبق لموازنة العام الماضي أن تعطلت نحو 4 أشهر، عندما أقرها البرلمان في نهاية مارس، واحتسبت أرقامها على سعر 45 دولاراً لبرميل النفط، لكن مع ارتفاع الأسعار العالمية، تمكن العراق من زيادة احتياطي البنك المركزي إلى 60 مليار دولار، ثم إلى 70 مليار دولار في مارس الماضي، وهو مؤشر إيجابي يوضح قدرةَ السياسة المالية على مكافحة التضخم، حيث تؤدي السياسة النقدية دوراً أوسعَ في تعزيز القدرة الشرائية للدينار.

وفي غياب الموازنة، ومع ارتفاع أسعار النفط بسبب تأثير حرب أوكرانيا، سجل العراقُ إيرادات نفطية قياسية بلغت 11.07 مليار دولار في مارس الماضي، بمعدل سعر للبرميل بلغ 110 دولارات. ويتوقع أن يحقق فوائض مالية للعام الحالي، يقدرها مستشار رئيس الوزراء مظهر محمد صالح بنحو20 مليار دولار، على أساس 100 دولار كمتوسط سعر البرميل.

واستناداً إلى أحكام المادة 19 من قانون الإدارة المالية، يجب وضع رصيد الاحتياطي في صندوق سيادي مهمته دعم استدامة النفقات العامة، في حال تراجعت أسعار النفط، بدلاً من الاقتراض وتحمّل مخاطر تراكم الديون، لتغطية العجز المالي في موازنات السنوات القادمة.

ويبقى الخوف الكبير هو من استمرار حالة «الفساد»، المسبب الأخطر لهدر المال العام، لاسيما بعد أن تحول من «ظاهرة مرفوضة إلى ثقافة عامة وسلوك لقوى السلطة»، كما يقول رئيس مركز التفكير السياسي الدكتور إحسان علي الشمري.

وقد عمَّقت هذه الثقافةُ طبيعةَ الهيمنة على مؤسسات الدولة. وحمّل الشمري الأحزابَ السياسيةَ «كاملَ المسؤولية» عن هذا الفساد الذي تحول بحكم هذه الرعاية إلى «دولة رديفة» مدججة بالسلاح والمنظرين وبمن يحميها ويدافع عنها.

والحكومة بدورها تعترف بخطورة هذا الفساد واستمرار مسيرته، ويرى مستشارها مظهر محمد صالح في «المحاصصة السياسية» باباً واسعاً لتفشي هذه الظاهرة، بسبب قدرتها على تحجيم دور الجهاز الرقابي وإضعاف حوكمة النظام العام للدولة.

ويؤكد أن «الدولة العراقية تعاني من قوى اللادولة، وهي وسائل متشابكة تنخر في جسد الدولة وتنهب موازناتها لمصلحة قوى سياسية خارج السيطرة الحكومية».

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية

المصدر | الاتحاد