Ads

استطلاع رأي

كيف ستتابع مباريات مونديال قطر؟

في البيت ومع الأصدقاء

في ملاعب المونديال في قطر

لم أقرر بعد

أهم الموضوعات

حول الفلسفة والشرق

بعد 200 عام.. الأتراك يتعلمون اللغة العربية

تواريخ متوازية أم تواريخ متتالية؟

العالم ودبلوماسية التجسس

الصين من نظام الحزب الواحد لنظام الزعيم الأوحد

Ads

الغرب ومستقبل النظام الدولي

الأربعاء 27 أبريل 2022 10:22 ص

الغرب ومستقبل النظام الدولي

حقيقيةَ حرب أوكرانيا من منظور روسيا تكريس لتراجع سيطرة الغرب على العالم واتجاه الإنسانية للأفق الشرقي الجنوبي كمحور لنظام دولي مستقبلي.

مع الأزمة الاجتماعية والديموغرافية والسياسية في الغرب يبرز نضوب المعين النظري والقيمي للحضارة الغربية التي دخلت مرحلة قاتلة من العدمية.

الوعي بتراجع الغرب وصل الزعامات الأوروبية فالرئيس ماكرون يعترف في خطاب علني أمام سفراء بلاده في الخارج بـ«نهاية الهيمنة الغربية على العالم».

كل المعطيات تبين حقيقتين راسختين: أن عهد انفراد قوة دولية بعينها تتحكم بالمنظومة العالمية انتهى كليا؛ والصعود الآسيوي المتمحور حول الصين لا رجعة فيه.

يتوقع قيام خريطة جيوسياسية دولية جديدة من ثلاث كتل: مجموعة ليبرالية غربية، ومجموعة شرقية آسيوية، ومجموعة غير منحازة بأميركا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا.

تعكس النزعات الشعبوية في الغرب بمختلف تياراتها رفضا للمنظور الليبرالي الحداثي ونزعات تفكيكية موغلة في النقدية المشكك بكل مسلمات الرؤية الكونية الغربية.

ثلاث أزمات حادة لا يمكن للغرب التغلب عليها: تفاوت اقتصادي واجتماعي متزايد ناتج عن الاقتصاد الليبرالي؛ انهيار نظام الحكامة السياسية المرتكز على الدولة السيادية التقليدية؛ انحطاط الحالة الليبرالية الثقافية وعدميّتها.

* * *

«الهيمنة الغربية على النظام الدولي في أيامها الأخيرة»، وبوادر صعود صيني وتعدد مراكز القوة والنفوذ في العالم الجديد.

إن هذه القراءة الحصيفة لاتجاهات النظام الدولي تنطلق من قراءة دقيقة للتحولات العالمية الأخيرة بعد اندلاع الحرب الأوكرانية التي تشكل نقطة تحول كبرى في مسار العلاقات الدولية.

لقد اعتبر الفيلسوف الفرنسي «ليك فري» في مقالة منشورة بصحيفة «لفيغارو» بعنوان «بوتين وانحطاط الغرب» (4 مارس الماضي) أن الضباب الدبلوماسي الكثيف يحجب الطبيعةَ الحقيقيةَ لحرب أوكرانيا التي هي من منظور روسيا مجرد تكريس لتراجع سيطرة الغرب على العالم ومن ثم اتجاه الإنسانية إلى الأفق الشرقي الجنوبي كمحور لنظام دولي مستقبلي.

والواقع أنه أصبح من الصعب متابعة حجم الكتابات الكثيرة التي ظهرت في السنوات الأخيرة حول انحطاط أو تراجع الغرب، في استعادة صريحة لأطروحة الرومانسيين الألمان في القرن التاسع عشر ودعاة «الطريق السلافي» في روسيا اللذين رجعوا بقوة إلى دائرة التأثير في موسكو خلال السنوات الأخيرة.

بعض هذه الكتابات الأميركية والأوروبية لا تكتفي بالوقوف عند محددات الأزمة الاجتماعية والديموغرافية والسياسية في الغرب، بل تذهب أبعد من ذلك إلى نضوب المعين النظري والقيمي للحضارة الغربية التي دخلت في مرحلة قاتلة من العدمية تعكسها النزعات الشعبوية في مختلف تياراتها الرافضة للمنظور الليبرالي الحداثي والنزعات التفكيكية الموغلة في النقدية التي تشكك في كل مسلمات الرؤية الكونية الغربية.

لقد وصل هذا الوعي إلى الزعامات الأوروبية نفسها، فهذا الرئيس الفرنسي ماكرون يعترف في خطاب علني أمام سفراء بلاده في الخارج بـ«نهاية الهيمنة الغربية على العالم».

لا يتعلق الأمر إذن بمجرد دعاية أيديولوجية روسية أو صينية في إطار نمط من الحرب الباردة الجديدة أو الصراع القطبي المتجدد.

فقبل أيام صرح «لاري فينك» الذي يدير الشركة المالية الأميركية العملاقة «بلاك روك»، بأن الحرب الأوكرانية تعني نهاية العولمة في صيغتها المألوفة، متوقعاً أن ينقسم العالم إلى مجالين متصادمين من حيث الطاقة والتكنولوجيا والإعلام والأنظمة المالية، بما يعني قيام خريطة جيوسياسية دولية جديدة من ثلاث كتل:

مجموعة ليبرالية غربية، ومجموعة شرقية آسيوية، ومجموعة غير منحازة من دول أميركا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا.

قد لا يكون من السهل تبين وجه النظام الدولي القادم الذي تكثر النظريات والمقاربات حوله، لكن كل المعطيات تبين حقيقتين راسختين هما: أن عهد انفراد قوة دولية بعينها بالتحكم في المنظومة العالمية قد انتهى كليا، وأن الصعود الآسيوي المتمحور حول الصين لا رجعة فيه.

إن هذه الحقيقة المزدوجة تترتب عليها اعتبارات عديدة، بعضها يتعلق بالمدونة المفهومية والدلالية للعلاقات الدولية التي تركزت على نموذج الدولة السيادية الدستورية الأوروبية الذي تم تعميمه في بقية العالم وأصبح هو قاعدة القانون الدولي الناظم للعلاقة بين الكيانات الوطنية من حيث هي أمم مستقلة.

إن هذا النموذج كما هو معروف نشأ على أنقاض الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى التي تفككت بعد حروب دموية مزقت القارة قروناً متتالية. ولقد ذهب المفكر السياسي والقانوني الصيني «جيانغ شيبونغ»، أحد أبرز منظري «اليسار الجديد» في الصين، إلى أن انتصار النموذج السيادي الوطني في أوروبا لم يكن ليتم إلا في إطار تصور إمبراطوري جديد للعلاقات الدولية على أساس مؤسسي تتحكم فيه المصالح التقنية والمالية بما أفضى إلى تشكيل أول إمبراطورية عالمية كونية هي إمبراطورية العولمة.

إلا أن شيبونغ يرى أن الإمبراطورية العالمية التي صاغها الغربُ تعاني راهناً من ثلاث أزمات حادة لا يمكن له أن يتغلب عليها، وهي: التفاوت الاقتصادي والاجتماعي المتزايد الناتج عن الاقتصاد الليبرالي، وانهيار نظام الحكامة السياسية المرتكز على الدولة السيادية التقليدية، وانحطاط الحالة الليبرالية الثقافية وعدميّتها.

ومن ثم يخْلص الباحث الصيني إلى أن الصين قادرة من داخل نموذجها السياسي والاقتصادي على حل هذه المعضلات في إطار توجهاتها الحالية لقيادة النظام الدولي.

ليس من همنا التعليق على مقاربة شيبونغ التي ليست نغمة معزولة في الأدبيات الآسيوية التي تجد أصداءً واسعةً في الحقل الفكري الغربي نفسه، وإنما أردنا الإشارة إليها باعتبارها تطرح إشكاليات حقيقية في الحوار الاستراتيجي الجديد حول طبيعة وتوجهات النظام الدولي القادم.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد

  كلمات مفتاحية

النظام الدولي، الهيمنة الغربية، حرب أوكرانيا، روسيا، الصين، نظام دولي مستقبلي، المعين النظري والقيمي، الحضارة الغربية، العدمية، الشعبوية، الليبرالي الحداثي،