الخميس 28 أبريل 2022 07:23 ص

إنّه عالم كذاب كذاب كذاب

مواجهات السياسة الدولية إذا اقتربت إلى هذا النحو من الحالة الصفرية؛ فغالبا ستنحو مناحي العنف العشوائي وأحوال الفوضى الشاملة...من حقنا أن نجزع!

أظن أن العقوبات هي الرادع الأعظم الذي يمكنه نظرياً إجبار الصين على التروي طويلاً قبل اتخاذ قرار استعادة سيادتها على تايوان الصينية تاريخاً وعرقاً.

تابعت دفقات متتالية من الكذب من كافة أطراف السياسة في باكستان وفي الغرب انتهت جميعها بخروج مخزٍ للزعيم الذي تحدى ثم تصدى قبل أن ينزاح بفعل فاعل.

انتهيت لقناعة أن أكثر ثم كل ما أقرأه وأسمعه وأشاهده حول أوكرانيا بعيد عن الصدق فقد سمعت وقرأت ورأيت أن جميع أطراف الصراع تتبادل الاتهام بالكذب.

العقوبات بهذا الحجم والعدد تشكل تطوراً غير معهود أو مقبول بالعلاقات الدولية، صارت مثلها مثل العدوان العسكري والغزو الفعلي من دولة على أخرى بل واحتلالها.

ضغوط من كل أطراف حرب أوكرانيا على دول الخليج المنتجة للنفط لتزيد إنتاجها النفطي بهدف الإضرار بمصالح روسيا العضو متزايد الأهمية والنفوذ بمنظومة منتجي النفط.

الغرب لا يجد في بيانات روسيا غير الكذب وروسيا تتهم الغرب وأوكرانيا بالكذب، والصين تشكك بصحة مواقف الطرفين وإن لم تفصح إلا عن قليل وهذا موقف لا يبتعد كثيراً عن حالة الكذب السائد.

* * *

صار يهف على ذاكرتي خلال الأسابيع الأخيرة عنوان وتفاصيل فيلم سينمائي أظن أني شاهدته في السنوات الأولى من عقد الستينات. كان العنوان «إنه لعالم مجنون مجنون مجنون» ومخرجه ستانلي كرامر وممثله ميكي روني النجم الذي أحببته وأنا أمر سريعاً في عز سنوات شبابي.

أما التفاصيل فتحكي قصة مجموعة أصدقاء تشابهت ميولهم، وتجمعهم قيم إنسانية رفيعة وعلاقات طيبة، سمعوا ذات يوم عن كنز مدفون في بقعة من غابة قريبة. راحوا يتسابقون. انطلق السباق هادئاً ثم ساده المرج والهرج، وبعد مسافة ووقت استبدت بالمتسابقين حالة قصوى من الجشع فاختلفوا وانحدر الاختلاف إلى الاشتباك منتهياً بالاقتتال.

جرى كل هذا في سياق كوميدي اختلط بسخرية لاذعة أثارت في المتفرجين أحاسيس متنوعة. وهو ما أكدته صديقة جديدة في لندن وأضافته من معلومات استعنت بها. ذكرت أيضاً أن الفيلم حصل وقتها على جائزة دولية كبيرة وحاز شعبية فائقة.

الآن فقط صرت أعرف السبب في أنه خلال الأسابيع الأخيرة عاد هذا الفيلم يحتل عندي حيزاً من الاهتمام متزايداً في الاتساع وفي العمق على حد سواء. كنت أقرأ كل ما ينشر عن صراع الكبار على أوكرانيا وأسمع كل ما يذاع وأشاهد كل ما يعرض.

بمرور الوقت وجدت نفسي لا أقرأ وأسمع وأشاهد إلا بعضاً من كلّ، ثم أصبحت أكتفي بالنتف حفاظاً على إمكانات الوقت المخصص لمهام المتابعة والتحليل بعد أن استقر عندي وعند كثيرين غيري شعور مؤكد باتساع الهدر في هذه الإمكانات على ما لا يفيد.

انتهيت إلى قناعة أن أكثر، ثم كل ما أقرأه وأسمعه وأشاهده حول موضوع أوكرانيا بعيد عن الصدق. تأكدت مما انتهينا إليه حين سمعت وقرأت ورأيت أن جميع أطراف هذا الصراع راحت تتبادل الاتهام بالكذب.

الغرب لا يجد في بيانات روسيا غير الكذب وروسيا تتهم الغرب والأوكرانيين بالكذب، والصين تشكك في صحة مواقف الطرفين، وإن لم تفصح إلا عن القليل، وهذه في حد ذاتها موقف لا يبتعد كثيراً عن حالة الكذب السائدة في الخطاب السائد بين الأطراف المباشرين في الحرب.

أتوقف قليلاً هنا. نعم اخترت الصين لأنها في نظر دول العالم النامي لا تزال تحتل إحدى الصفات التي عرفت بها في سنوات نهضتها الأولى أو التي اعتنقتها لفترة من الزمن وكانت هي نفسها فخورة بها.

في مقابلة في بكين العاصمة مع شو اين لاي رئيس وزراء الصين المخضرم وشريك هنري كيسنجر في عملية إخراج الصين من عزلتها التي فرضها عليها الغرب، أذكر أنه خلال النقاش الذي دار بينه وبين الزميل الراحل محمد سيد أحمد حول الخلاف الناشب لفترة غير قصيرة بين الاتحاد السوفياتي والصين قال إن العالم ينقسم قسمين:

- قسم نطلق عليه في فكرنا الأيديولوجي صفة «المدينة العالمية» وهو القسم الذي يضم أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفياتي.

- أما القسم الثاني الذي نطلق عليه صفة «الريف العالمي» فهو الذي تنتمي إليه الصين وبلدكم، ويقصد مصر، وغيرهما من دول العالم الثالث.

أضاف قائلاً إن هذه الدول لا ولن تمارس الهيمنة التي تمارسها دول الغرب والاتحاد السوفييتي لأنها عانت كثيراً وطويلاً الهيمنة الإمبريالية.

مشكلتي مع هذا التحليل، وقد أعلنتها في وقتها، أن الصين سوف تنهض وقد تصبح قوة عالمية، فهل يصيبها ولو رذاذ مما جُبِلت عليه قوى الهيمنة في «المدينة العالمية»؟

أحياناً نتصور أن عالم الخير والطهارة والطيبة تفكك أو تحلّل واندمجت أجزاء منه وبعض مكوناته في الكل الكبير، أي في عالم الشر والجشع والكذب، لكن دون أن يكتمل نمو هذه الأجزاء والمكونات وتنهض مثلما نهضت الصين.

أتابع كثيراً وانسحب أحياناً. أتابع فأجزع فانسحب ثم أعود بحكم العادة. أتابع الضغوط التي تمارسها دول الغرب وبخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وبيروقراطية الاتحاد الأوروبي وبعض دول التماس مع الاتحاد الروسي. تابعت ما حدث مع حكومة عمران خان في باكستان ولم تنقذه علاقاته الوثيقة بالصين جارته الكبيرة. تابعت وجزعت.

تابعت دفقات متتالية من الكذب من كافة أطراف السياسة في باكستان وفي الغرب انتهت جميعها بخروج مخزٍ للزعيم الذي تحدى ثم تصدى قبل أن ينزاح بفعل فاعل.

جزعت من حجم الضغوط وقسوتها على مستقبل الهند لو أن مودي لم يستجب وبقي رافضاً وقف التعاون مع روسيا والتوقف عن ممارسة سياسات عدم الانحياز عند التعامل مع أطراف أزمة أوكرانيا.

أتابع أيضاً الضغوط من كل أطراف حرب أوكرانيا على دول الخليج المنتجة للنفط. مطلوب من هذه الدول أن تزيد من إنتاجها النفطي بهدف محدد وهو الإضرار بمصالح روسيا العضو الأحدث والمتزايد الأهمية والنفوذ في منظمة المنتجين للنفط.

يقال إن عدد العقوبات المفروضة على روسيا وقياداتها تجاوز الرقم 6000 عقوبة. العقوبات بهذا الحجم والعدد تشكل تطوراً في العلاقات الدولية غير معهود وغير مقبول، صارت مثلها مثل العدوان العسكري والغزو الفعلي من دولة على أخرى بل واحتلالها.

أظن أنه الرادع الأعظم الذي يمكنه نظرياً إجبار الصين على التروي طويلاً قبل اتخاذ قرار لاستعادة سيادتها على جزيرة تايوان الصينية تاريخاً وعرقاً.

وفي رأي معلقين وأكاديميين أمريكيين هو الرادع الذي يكفل عودة الدول غير المنحازة في حرب أوكرانيا «إلى رشدها». الجدير بالذكر أن المواجهات في السياسة الدولية إذا اقتربت إلى هذا النحو من الحالة الصفرية؛ فإنها في الغالب سوف تنحو مناحي العنف العشوائي وأحوال الفوضى الشاملة...من حقنا أن نجزع.

* جميل مطر مفكر سياسي، دبلوماسي مصري سابق

المصدر | الشروق