الجمعة 18 ديسمبر 2015 03:12 ص

على الرغم من أنه لم يثبت مشاركة تنظيم «ولاية سيناء» في الأمر بشكل يقيني بعد، فإنه يبدو بشكل متزايد على الأرجح أن إسقاط طائرة الركاب الروسية في 31 أكتوبر/تشرين الأول فوق سيناء قد تم بفعل انفجار قنبلة وضعت على متن الطائرة بواسطة «ولاية سيناء»، الفرع التابع لتنظيم «الدولة الإسلامية»، والذي ادعى مسؤوليته عن الهجوم. يتتبع هذا المقال أصول التنظيم وما هو معروف عن قيادته، ويدعي إن الهجوم قد يأتي بنتائج عكسية على التنظيم. قرار الفرع المحلي إرضاء التنظيم الأم من خلال إعطاء الأولوية لأحد الأهداف الدولية قد خلق رد فعل عنيف تجاه التنظيم بسبب العدد الكبير من المصريين العاملين في مجال السياحة. هذا الارتداد العنيف يعطي الفرصة لأجهزة الأمن لتكثيف حملتها من أجل القضاء على التنظيم.

أسهم تحطم رحلة الطائرة «متروجيت» في مصر في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في زيادة تركيز الاهتمام العالمي على التهديد الذي يشكله فرع «الدولة الإسلامية» في شبه جزيرة سيناء، الذي أعلن مسؤوليته عن الحادث. لم يظهر التنظيم في دائرة الضوء سوى في الآونة الأخيرة، وكان التنظيم قد أعلن ولاءه رسميا لتنظيم «الدولة الإسلامية» في 10 نوفمبر/تشرين من العام الماضي (2014). ومع ذلك فإن التشدد الإسلامي في شبه جزيرة سيناء له تاريخ طويل.

في عام 2004، بدأت جماعة التوحيد والجهاد، والتي تعد بمثابة الجذور الأولى لتنظيم «ولاية سيناء»، في استهداف السياح عبر التفجيرات في منتجعات جنوب سيناء في طابا ونويبع. كان غزو الولايات المتحدة للعراق ربما يكون أحد أبرز الحوادث التي عززت الدوافع وراء الأمر. فرض نظام «حسني مبارك» قبضة أمنية قاسية على شبه جزيرة سيناء، حيث كانت السياحة هي المحرك الرئيسي للاقتصاد. ولكن الانتهاكات التي مارستها وزارة الداخلية إبان هذه الحملة، ولم يتم توقيع أي عقوبات بشأنها، كانت أهم الأسباب التي أسفرت عن انتفاضة عام 2011. في أعقاب الانتفاضة، انضم جيل جديد من المتشددين إلى سيناء الذين حولوا أنظارهم مرة أخرى تجاه السياح وسائر المصالح الدولية الأخرى.

البيان الأولي الصادر عن «ولاية سيناء» لم يأت على ذكر مصر أو سياسات موسكو تجاه البلاد. بدلا من ذلك، فقد تم تبني الهجوم بدافع الانتقام من الضربات الجوية الروسية في سوريا. وهدد التنظيم بأن المدنيين الروس لن يكونوا آمنين في أي مكان طالما استمرت روسيا في حملتها العسكرية لدعم نظام «بشار الأسد» واستهداف «الدولة الإسلامية». الأدلة المتزايدة على وجود مؤامرة إرهابية وراء حادث تحطم الطائرة «متروجيت» يدل على أن «ولاية سيناء» جاد في تهديداته باستهداف أعداء «الدولة الإسلامية» .

خلفية

كانت الأوضاع في سيناء لفترة طويلة محفزة لنشاط المتشددين. غياب إنفاذ القانون في جميع أنحاء مصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 قد سمحت للمتبقين من عناصر التوحيد والجهاد، بعد عودة أتباعهم، إضافة إلى سائر الجماعات الأخرى بتعزيز عملياتهم. كما استفاد المسلحون كثيرا من موجة الفرار الجماعي من السجون التي تمت خلال الفترة نفسها. وانضم إليهم العديد من الجهاديين ذوي السجلات السوداء في إدارات مكافحة الإرهاب خلال الثمانينيات والتسعينيات. الموجات اللاحقة من عمليات إطلاق السراح قد جلبت بدورها العديد من المجندين الجدد. وقد سمحت الأحداث الإقليمية للمسلحين بالحصول على الأسلحة اللازمة. كما ساهمت الثورة في ليبيا في إغراق أسواق الأسلحة المحلية.

يعرف «ولاية سيناء» نفسه كوريث لحركة التوحيد والجهاد، والتي كانت تمتع بصلات قوية مع العديد من الجماعات المتطرفة. كانت التوحيد والجهاد على صلة بجماعة تحمل نفس الاسم يقودها «أبو مصعب الزرقاوي» في العراق، التي تطورت فيما بعد إلى «الدولة الإسلامية». في سيناء، مرت الروابط الأيديولوجية من التوحيد والجهاد عبر أحد مؤسسيها، وهو طبيب الأسنان «خالد مساعد»، إلى أحد الطلاب وهو «توفيق محمد فريج». في عام 2012، أصبح «فريج» هو الزعيم المؤسس لتنظيم أنصار بيت المقدس والتي غيرت اسمها في أواخر عام 2014 إلى «ولاية سيناء».

كانت جماعة أنصار بيت المقدس ترتبط بعلاقات أيضا مع تنظيم القاعدة قبل تعهد بالولاء للدولة الإسلامية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014. ووفقا لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن «رمزي موافي»، خبير المتفجرات في تنظيم القاعدة والطبيب الشخصي لـ«أسامة بن لادن»، قد فر إلى سيناء بعد عمليات الهروب الجماعية من السجون في أعقاب الثورة المصرية. وحتى أكتوبر/تشرين الأول من العام 2014، كان لا يزال يعتقد أنه يتواجد في شبه جزيرة سيناء للتنسيق بين الجماعات المسلحة والمساعدة في ترتيب المال والسلاح من أجل دعم أنشطة العنف.

أحد المتشددين الآخرين المنتمين لتنظيم القاعدة والذي يعتقد أيضا أن يرتبط بصلات مع جماعة أنصار بيت المقدس هو «محمد جمال»، الذي أفرج عنه من السجن من قبل الحكومة العسكرية المصرية في عام 2011. وقد استخدم «جمال» علاقته مع تنظيم القاعدة لإقامة مخيمات التدريب في سيناء، غرب مصر، وفي ليبيا. وقد أعيد اعتقال «جمال»، الذي كان يعمل علنا، في مصر بعد أن أظهرت الاستخبارات الأمريكية تورط شبكته في هجمات بنغازي في سبتمبر/أيلول 2012 والتي أسفرت عن مقتل السفير الأمريكي وثلاثة أمريكيين آخرين.

التوحد والتكيف

أظهرت جماعة أنصار بيت المقدس قدرة واضحة على التطور والتكيف. في بيئة سريعة التغير أثناء وبعد انهيار نظام «مبارك»، كان التنظيم قادرا على توحيد نفسه باعتباره التنظيم الرئيسية التي تعمل بشكل علني في سيناء. لقد قام بتصميم بنية هيكلية قادرة على احتواء المنظمات الأصغر حجما. وقد وقعت هجمات في سيناء لم يدع أحد مسؤوليته عنها، ولكن نادرا ما كانت تقع هجمات يتبناها أي فصيل آخر سوى أنصار بيت المقدس. 

هناك تكيف من نوع آخر جرى حول منهجية الاستهداف التي تبناها التنظيم. في فبراير/شباط عام 2011 حتى قبل أن يبدأ التنظيم في استخدام اسم جماعة أنصار البيت المقدس، وحتى منتصف عام 2013، كانت الأهداف تتركز في ضرب المصالح الإسرائيلية والعلاقة المصرية الإسرائيلية. وقد ركزت على الهجمات العابرة للحدود وتخريب خطوط أنابيب الغاز المصري إلى (إسرائيل) والأردن. بعد الانقلاب على الرئيس «محمد مرسي» في يوليو/تموز 2013، جدد الجيش المصري حملته لمكافحة الإرهاب في شمال سيناء. الهجمات المتواصلة في سيناء، إضافة إلى ما بدا وكأنه حملة ضد الإسلاميين بعد فض الاعتصامات المؤيدة لـ«مرسي»، قد ساهما في تحويل تركيز جماعة أنصار بيت المقدس نحو مهاجمة قوات الجيش والشرطة المصرية في سيناء وعبر قناة السويس في بر مصر.

ما بين سبتمبر/أيلول 2013 ويناير/كانون الثاني 2014، قامت جماعة أنصار بيت المقدس بشن عدد من الهجمات رفيعة المستوى خارج شمال سيناء، تضمنت محاولة اغتيال وزير الداخلية في القاهرة. ويظهر أن العديد من الصلات بين المسلحين في سيناء وبر مصر قد أصابها العطب بسبب العمل الجيد من قبل الشرطة المصرية. وقد تم كسر باقي هذه الروابط بعد قرار أنصار بيت المقدس مبايعة «الدولة الإسلامية». وقد كان هناك ما يشبه القرار من قبل «ولاية سيناء» بالتركيز على التوحد والحد من أي هجمات خارج سيناء. خلال عامه الأول، ادعى التنظيم مسؤوليته عن 5 هجمات فقط خارج شمال سيناء، في حين كانت عملياته في سيناء أضعافا مضاعفة في وتيرتها وحجمها وتعقيدها.

القوة من خلال الغموض

كانت أبرز المزايا التشغيلية التي تمتع بها تنظيم أنصار بيت المقدس تكمن في هيكله الخلوي وسريته. حافظ «ولاية سيناء» على هذا النهج باستثناء الهجمات الكبيرة مثل حصار 1 يوليو/تموز على مدينة الشيخ زويد. تتسبب طبيعة التنظيم في أن هناك القليل فقط من المعلومات الحاسمة حول قيادة «ولاية سيناء»، وقد أحرجت الحكومة بسبب ظهور بعد المتشددين الذين ادعت أنهم قد لقوا مصرعهم من أمثال «شادي المنيعي».

لا يبدو «المنيعي» شخصية بالغة الأهمية في صفوف جماعة أنصار بيت المقدس. هو شاب، يبلغ عمره أقل من 30 عاما ينتمي إلى قبيلة السواركة ومقرها في شمال سيناء، والتي مثلت رافدا لجماعة أنصار بيت المقدس منذ تأسيسها.

ويقال أن «المنيعي» قد تواصل مع التوحيد والجهاد حينما كان في السجن يقضي حكما بتهمة الاتجار بالبشر. غالبا ما تلقي المصادر المصرية باللوم على الجيش بسبب عدم قدرته على اعتقال أو قتل «المنيعي» والقيادي الآخر في التنظيم «كمال علام» الذي يرجح أنه قد نجح في الهروب إلى غزة عبر الأنفاق. في الواقع، لم يكن هناك دليل على أن «المنيعي» على قيد الحياة منذ إعلان وفاته في عام 2014، ولكن مصادر مصرية وإسرائيلية تؤكد أنه قد فر إلى قطاع غزة. في 1 نوفمبر/تشرين الأول 2015، أصدرت «ولاية سيناء» شريط فيديو قصير لشخص يبدو وكأنه «المنيعي» يوجه تهديدات إلى (إسرائيل)، على الرغم من أنه لم يتسن التأكد من هوية الشخصية الغامضة التي ظهرت في الفيديو. 

أشهر ممثلي «ولاية سيناء» في الآونة الأخيرة هو المدعو «أبو أسامة المصري»، على الرغم من أن التفاصيل بشأنه لا تزال غير واضحة. على الرغم من كونه «شخص موضع اهتمام» فيما يتعلق بتفجير «متروجيت»، فإننا لا نعرف سوى القليل عن «المصري» سواء كانت مما يتعلق بهويته الحقيقية أو رتبته داخل المنظمة. تشير أحد النظريات التي يتبناها جهاز الأمن المصري إلى أن الاسم الحقيقي لـ«أبو أسامة المصري» هو «محمد أحمد علي»، وأن أصوله تعود إلى العريش عاصمة محافظة شمال سيناء.

ومع ذلك، يشير التحليل اللغوي أن «المصري» ربما لا يكون من سيناء. وتشير مصادر أخرى إلى أن هوية «المصري» الحقيقية تعود إلى شخص يدعى «عبدالمنعم نوفل» وهو أحد قادة المسلحين في الثمانينيات وأحد الذين فروا من السجون خلال انتفاضة يناير/كانون الثاني. ويعتقد أن «المصري» هو حلقة الوصل الرئيسية ما بين «الدولة الإسلامية» و«ولاية سيناء». ويعتقد أيضا أنه أحد قادة أنصار بيت المقدس الذين سافروا إلى سوريا في خريف عام 2014 لترتيب العلاقة الجديدة.

ابتداء من يناير/كانون الثاني في عام 2014، بدأ «المصري» في الإشادة بانتصارات تنظيم «الدولة الإسلامية» في تصريحاته العلنية. وفي شريط فيديو تم بثه في مايو/أيار 2015 مع «كمال علام» إلى جانبه، جدد «المصري» التعهد بالولاء لتنظيم «الدولة الإسلامية» والذي كان قد تم إعلانه لأول مرة في نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2014.

على الرغم من أنه يبدو وكأنه يحظى بمكانة عالية، فإنه من غير الواضح ما إذا كان «أبو أسامة المصري» هو زعيم «ولاية سيناء»، ولم تعلن الجماعة في أي مناسبة أن «المصري» هو قائدها. تدعي أحد التقارير الخليجية غير الموثوقة أن «أبو بكر البغدادي» قد عين «المصري» قائدا لتنظيم «ولاية سيناء» وأنه ربما لا يقيم في مصر. تقارير مصرية أخرى تنقل عن مصدر أمني مجهول الهوية في شمال سيناء، أن «المصري» هو المتحدث الرسمي باسم التنظيم.

في مايو/أيار 2015، يبدو أن ذات المصدر مجهول الهوية قد كشف عن هوية قادة تنظيم «ولاية سيناء» إلى وسائل إعلام مصرية وفلسطينية. إضافة إلى تصريحه لنافذة إعلامية واحدة على أقل أن «أبو أسامة المصري» يمارس السحر، فقد ادعى المصدر أن رأس تنظيم «ولاية سيناء» هو شخص يدعى «سليمان دهبيش أبو ملحوس»، ويبلغ من العمر 33 عاما تقريبا. ويستخدم العديد من الأسماء الحركية منها «أبو عمر» و«أبو الزبير» ويختبئ في قرى الشيخ زويد في محافظة شمال سيناء. لكنه لم يقدم أي معلومات إضافية ولم يذكر اسمه منذ ذلك الحين.

على الأرجح، فإن تنظيم «ولاية سيناء» يضم فقط بضع مئات من المقاتلين النشطين. ولكن على الرغم من ذلك فإن التنظيم قد نجحت في اعترض طرق السفر باستخدام العبوات الناسفة المحسنة إضافة إلى شن غارات واسعة النطاق واستخدام الأسلحة الثقيلة مثل أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف والصواريخ المضادة للدبابات. وعلى الرغم من تلقيه لضربات متعددة من قبل القوات المسلحة المصرية، فإن التنظيم تبدو في حالة انتعاش. كما أظهر مرونة تكتيكية رائعة في إنتاج العبوات الناسفة والعبوات الناسفة المحمولة عبر السيارات مع مجموعة من المتفجرات تشمل (نترات الألومنيوم وتي إن تي ومتفجرات سي 4 العسكرية)، إضافة إلى استخدام تقنيات التفجير عن بعد.

ومنذ تعهده بالولاء للدولة الإسلامية، تلقى «ولاية سيناء» الزي المموه التقليدي للدولة الإسلامية إضافة إلى عدد من السيارات الجديدة. هذا بخلاف العتاد الذي استولت عليه من قوات الجيش والشرطة المصرية والمدنيين في شمال سيناء. وفق لبيانات التنظيم نفسه، فقد تم الاستيلاء على أكثر من 50 سيارة في العام الماضي، وكمية كبيرة من الأسلحة. وقد شملت هذه القائمة اثنين من المدافع المضادة للطائرات مع أكثر من 650 طلقة ذخيرة. ناهيك عن ست قطع آر بي جي مع 30 قذيفة، وأكثر من 50 بندقية من طراز AK47. إضافة إلى 5 قطع من الرشاشات الثقيلة وعدد غير محدد من بنادق القنص وعشرات الآلاف من طلقات الذخيرة.

اللامبالاة تجاه المصالح المحلية

يعد قرار «ولاية سيناء» لاستهداف صناعة السياحة في مصر خروجا عن تركيزها على مهاجمة أجهزة الأمن المصرية. الهجوم على الطائرة «متروجيت» الروسية يعني أن التنظيم قد قرر أن يعلن الحرب الاقتصادية ضد الدولة. خلال تصريحاته الأولية، رفض التنظيم أن يعطي أي دليل يؤكد مسؤوليته عن الهجوم مؤكدا أنه سوف يتم كشف الأمر في الوقت الذي يختاره. في وقت لاحق، وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت مجلة «دابق» الإنجليزية التابعة للتنظيم صورا مزعومة للعبوات الناسفة التي استخدمت في العملية. وادعى المقال المنشور في المجلة أنه تم استخدام أقل من كيلوغرام من المواد المتفجرة، كانت مخبأة في علبة من مشروب «شويبس جولد» تم تهريبها إلى متن الطائرة.

وقبل يوم واحد من نشر مجلة «دابق» لقصتها، صرح مدير جهاز الأمن الاتحادي الروسي «ألكسندر بورتنيكوف» بالقول: «يمكننا القول بكل ثقة أن هذا كان عملا إرهابيا». وعلى الرغم من أن الحكومة المصرية تواصل إنكار ذلك، فقد جاء هذا الاستنتاج مبنيا على أسابيع من مداولة الآراء بين مسؤولي المخابرات الأجنبية وصناع القرار، الذين انتهوا أن ادعاء «ولاية سيناء» المسؤولية عن العملية هو ادعاء صحيح على الأرجح.

عند هذه النقطة، تشير الأدلة إلى أن «ولاية سيناء» قد وظفت أحد حاملي الحقائب في مطار شرم الشيخ الدولي من أجل إخفاء الجهاز في مخزن حقائب الطائرة، أو أي شخص بإمكانه الوصول إلى كابينة الطائرة، وربما يكون أحد أفراد طاقمها، من أجل إيصال القنبلة على متن الطائرة. يتطلب هذا الهجوم قدرا من التطور مقارنة مع العديد من ضربات أنصار بيت المقدس و«ولاية سيناء» السابقة. وكما لاحظ الخبير في شؤون سيناء «مهند صبري»، فإن هناك كمية كبيرة من المواد المتفجرة في سيناء.

وتأتي هذه التغييرات في طريقة عمل تنظيم «ولاية سيناء» مع استمرار الجيش المصري في قصف معاقله ما أفضى إلى مقتل أكثر من ألف شخص من المسلحين خلال هذا العام. المشكلة، على النحو المحدد من قبل الحكومة المصرية، هي أن «ولاية سيناء» تقوم بتجديد صفوفها من خلال المقاتلين المصريين العائدين من سوريا والعراق، وليبيا، أو حتى مقاتلين أجانب آخرين.

فشلت مصر في إيقاف تسلل المسلحين غير السيناويين إلى سيناء. لكن هؤلاء المسلحين الذين ينضمون إلى «الدولة الإسلامية» الآن ليس لديهم نفس الصلات القبلية والولاءات، والمصالح التي كانت موجودة بين أنصار بيت المقدس والسكان المحليين. هذا من شأنه أن يجعل «ولاية سيناء» تمثل تحديا فوريا للسكان المحليين سيناء والمصالح الدولية في مصر وخاصة في شبه جزيرة سيناء. وعلى مدار عام 2015، تعرض المدنيون في سيناء لاعتداءات أكبر من قبل تنظيم «ولاية سيناء». كان تنظيم أنصار بيت المقدس يقدم نفسه بوصفه مدافعا عن سكان سيناء، بينما يدعي «ولاية سيناء» أنه قد قام بقتل أكثر من 130 شخصا من السكان المحليين بسبب اتهامهم بالتعاون مع الحكومة المصرية. كما كثف المسلحون من اعتداءاتهم ومناوشاتهم مع القوات متعددة الجنسيات. تتواجد القوات الدولية في سيناء منذ أكثر من ثلاثة عقود وفق استحقاقات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، قد كانت منذ فترة طويلة هدفا للاحتجاجات السياسية. لكن التهديدات المباشرة تواجه القوة المتعددة الجنسيات اليوم لم يسبق لها مثيل، وتتنامى بشكل متزايد.

الهجوم على الطائرة المدنية هو أكبر علامة، حتى الآن، على أن تركيز الجماعة المسلحة قد بدأ يتجه إلى خدمة الأجندة الدولية للدولة الإسلامية دون اعتبار لتأثير ذلك الأمر على المحيط السكاني الذي تعمل فيه. من الممكن أن نعتقد أن «ولاية سيناء» قد نفذت هذا الهجوم إرضاء لقادة «الدولة الإسلامية»، ولتأمين المزيد من التمويل والدعم فضلا عن تدفق المجندين. ومع ذلك، فقد دفع هذا الهجوم روسيا إلى تركيز نيرانها بشكل أكبر على معاقل «الدولة الإسلامية» في سوريا.

هل تجاوزت «ولاية سيناء» حدودها؟

ركزت كل المنتجات الدعائية الصادرة عن «الدولة الإسلامية»، والمتعلقة بعملية «متروجيت»، بداية من الإعلان الأولي إلى البيان الصوتي وحتى مجلة «دابق»، على سياسات روسيا وعملياتها العسكرية في سوريا. على الرغم من أن العملية قد تم تنفيذها بواسطة «ولاية سيناء»، وعلى الرغم من تأثيراتها السلبية على قطاع السياحة في مصر، فإن التنظيم لم يبذل جهدا من أجل كسب أرضية للتعاطف بين المصريين أو لاستخدام الهجوم لتجنيد الشباب المصري الذي يحمل وجهات نظر معادية للحكومة. إذا كانت «ولاية سيناء» راغبة في استخدام الحادث للتجنيد محليا، فإنها كانت بساطة لتربطه مع تجاوزات النظام المصري. ناهيك عن علاقات وثيقة بين الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» والرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، والتي تشمل تبادلات متكررة للزيارات الحكومية إضافة إلى المبيعات العسكرية. قرار تركيز الدعاية على توجيه التهديدات للمجتمع الدولي والتعاطف مع السنة في سوريا يجعل من الواضح أن الآلة الدعائية لم تكن تهتم كثيرا بالتأثير المحلي للحادث.

في حال استجابت مصر للأمر بعناية، فإن قرار «ولاية سيناء» لمهاجمة الطائرات المدنية سوف يصبح مثالا آخر على المجموعات المدعومة خارجيا حين تحاول أن تلعب دورا أكبر من حجمها الحقيقي. إن الهجوم يمكن أن يمثل جزءا من «حرب اقتصادية» ضد الدولة المصرية، وعلى المدى القريب يمكن أن نعتبره هجوما ناجحا. لكن السياحة توفر سبل العيش لعدد كبير من المصريين. الهجوم على السياحة سوف يزيد من ضغط البدو في جنوب سيناء على أشقائهم في شمال ووسط شبه الجزيرة. هذا من شأنه أن يؤدي إلى عزل هذه التنظيم شعبيا تماما كما حدث مع الجماعة الإسلامية في أعقاب هجمات 1997 على السياح في الأقصر، وكما حدث في سيناء نفسها بعد تفجيرات طابا عام 2004. وبالمثل، فإن زيادة التهديدات للقوة المتعددة الجنسيات يهدد المصالح الاقتصادية للبدو شمال سيناء، وذلك لأن القوات الدولية يمثل أحد أبرز مصادر الأعمال في المحافظة. هذا المزيج من العوامل التي قد يترك معزولة «ولاية سيناء» بين السكان، الذين من المرجح أن يلجؤوا إلى المطالبة بالحماية من قبل قوات الأمن.

يمكن للحكومة أيضا أن تتحجج بالضغوط من قبل المجتمع الدولي من أجل تبرير زيادة العمليات العسكرية ضد «ولاية سيناء». قبل وقت قريب، كان ينظر إلى القوة متعددة الجنسية بوصفها نقطة الضعف الرئيسية المحتملة. ولكن استهداف السياح من قبل «ولاية سيناء» من المرجح أن يحفز جميع أشكال العمليات الاستباقية، كما أن روسيا سوف تطالب أيضا بالقصاص لقتلاها. الشركاء الأجانب، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا، قد يكونون الآن أكثر استعدادا لتقديم الدعم الاستخباراتي لمصر لمواجهة وتعطيل قدرات التنظيم.

هذا المزيج من الطلب المحلي والدعم الخارجي سوف يتيح للحكومة المصرية فرصة من أجل توسيع عملياتها ضد «ولاية سيناء» بطريقة قوية ولكن ذكية. تهديدات «ولاية سيناء» قد تعمل بمثابة دعايا رائعة لتنظيم «الدولة الإسلامية»، لكن استهداف السياح الأجانب من المرجح أن يؤمن للفرع المحلي المزيد من الأعداء، ولن يجني من ورائه سوى الامتنان من قبل قادة تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق.