الخميس 5 مايو 2022 02:57 م

كييف محجّة زعماء الغرب

مكابرة الغرب لا تنفي ما بات يعانيه من تداعيات الحرب اقتصاديا مع تفاقم أزمة الوقود وارتفاع الأسعار، وارتفاع التضخم وما إليها.

مخاطرة حقيقية بدفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة مدمرة، إن لم يعد هذا الغرب إلى رشده ويبدي مرونة، لبلوغ تسوية مقبولة قبل فوات الأوان.

أهداف الغرب بأوكرانيا تعطيل أي مفاوضات بين الجانبين الروسي والأوكراني تفضي لتسوية تضمن مصالح وأمن بلديهما وطمأنة روسيا بوضع حد لتوسع الأطلسي.

يتصرف الغرب بنشوة لأنه يشعر بأنه أوقع الروس في ورطة، لكن حتى غلاة الزعماء الأوروبيين، أقرّوا بصعوبة، إن لم يكن استحالة، هزيمة الجيش الروسي في هذه الحرب

يتوافد يوميا زعماء ووزراء غربيون يستقبلهم رئيس أوكرانيا ليصطحبهم في جولات بشوارع العاصمة يريهم مباني تضررت بالقصف معتداً بنفسه وموهماً إياها أنه من يخوض الحرب ضد روسيا.

* * *

إلى العاصمة الأوكرانية، كييف، يتوافد بشكل شبه يومي زعماء ووزراء أمريكيون وأوروبيون، يستقبلهم رئيس أوكرانيا، ليصطحبهم في جولات في بعض شوارع العاصمة، يريهم مباني تضررت بالقصف، معتداً بنفسه، وموهماً إياها أنه من يخوض الحرب ضد روسيا، في ما بات واضحاً أن الدول التي يتوافد قادتها عليه هي من يقود تلك الحرب، ويشعل المزيد من الزيت اليومي على أوارها حتى لا تنتهي، أو لكي تستمر ما أمكن.

إلى كييف أتى رئيس الحكومة البريطانية، ووزيرا الدفاع والخارجية الأمريكيان، وبعدهما أتت رئيسة الكونغرس الأمريكي، وإليها أتى زعماء دول محاذية لأوكرانيا من شرقي أوروبا كقادة جمهوريات البلطيق الثلاث: لاتفيا، إستونيا، وليتوانيا، وكذلك بولندا.

بالإضافة إلى وفود برلمانية أوروبية، وسيستمر مسلسل الزيارات إلى العاصمة التي كان الغرب يتوقع سقوطها بيد القوات الروسية في أيام الحرب الأولى، قبل أن تنسحب هذه القوات من محيطها، وتركز معاركها على شرق وجنوب أوكرانيا.

أهداف الغرب في أوكرانيا لم تعد خافية عن الأعين: تعطيل أي مفاوضات بين الجانبين الروسي والأوكراني يمكن أن تفضي إلى تسوية تضمن مصالح وأمن بلديهما، وطمأنة موسكو بوضع حدود وضوابط للتوسع الأطلسي باتجاه حدودها، وهي تسوية غير مستحيلة.

بل إنه جرى إهدار إمكانية واقعية لبلوغها، ففي تعطيل مثل هذه التسوية، إطالة لأمد الحرب، بغية استنزاف روسيا في حرب يتضح اليوم أن الغرب كان مستعداً لها أكثر مما كانت موسكو نفسها مستعدة، أو هكذا يبدو لنا على الأقل، ليس فقط من خلال دفعات السلاح الضخمة التي ترسل إلى أوكرانيا يومياً هذه الفترة، وإنما بتلك الأسلحة التي جرى بالفعل تسليح الجيش الأوكراني بها قبل الحرب بسنوات، وتدريب الجنود الأوكرانيين على استخدامها.

يتصرف الغرب بمنطق المنتشي، لأنه يشعر بأنه أوقع الروس في ورطة، ولكن حتى غلاة الزعماء الأوروبيين، بمن فيهم رئيس الحكومة البريطانية، أقرّوا بصعوبة، إن لم يكن استحالة، هزيمة الجيش الروسي في هذه الحرب، مؤكدين أن سيد الكرملين، فلاديمير بوتين، رجل عنيد لن يقبل بشروط الغرب، ولن يتراجع قبل الاطمئنان إلى أن بلاده حققت الجزء الأهم من أهداف العملية العسكرية التي أطلقتها في أوكرانيا، رغم التبعات الكبيرة التي جرّتها على بلاده.

مكابرة الغرب لا تنفي ما بات هو نفسه يعانيه من تداعيات هذه الحرب، على الصعيد الاقتصادي خاصة، مع تفاقم أزمة الوقود وارتفاع الأسعار، وزيادة نسب التضخم وما إليها، فضلاً عن المخاطرة الحقيقية بدفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة مدمرة، إن لم يعد هذا الغرب إلى رشده ويبدي مرونة، لبلوغ تسوية مقبولة قبل فوات الأوان.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج