الأحد 8 مايو 2022 06:02 ص

لبنان.. الإفلاس السياسي والتعثر المالي

المشكلة التي أدت للانهيار المالي والاقتصادي هي «إفلاس» المنظومة السياسية وفشلها عن إدارة شؤون البلد، نتيجة الفساد المستشري والغارقة فيه.

رغم تعثر لبنان مالياً منذ سنتين فهو قادر على النهوض الاقتصادي، واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي مع التزامه بتنفيذ إصلاحات سبق أن اتفق عليها مع صندوق النقد الدولي.

لبنان بلد غير «مفلس»، وهو بالوقائع والأرقام، «غني» بدولته التي تملك أصولاً وعقارات وشركات استثمارية كبيرة منتجة، و«غني» بشعب يملك ثروات مالية وودائع مصرفية وأسهماً بشركات عالمية.

* * *

إثر توقيع «اتفاق الموظفين» مع صندوق النقد الدولي، أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الوفد المفاوض سعادة الشامي أن «لبنان قد أفلس». لكن بعد تعرضه إلى ردود فعل سلبية، تتهمه بالإساءة إلى سمعة لبنان، اضطر للتراجع، محاولاً إعطاء تفسيرات متنوعة عن «مقصده». والأخطر من ذلك، أن تصريحه الذي تناقلته مختلف وسائل الإعلام، تلازم مع محاولات لإقرار مشروع قانون «الكابيتال كونترول» الذي يبرئ الدولة من مسؤوليتها عن تراكم الديون والخسائر، ويسقط حق المودعين في مقاضاة المصارف أمام المحاكم المختصة في لبنان وخارجه، ويحمّلهم دفع ثمن شطب معظم الخسائر التي قدرت بنحو 73 مليار دولار. لكن هذه المحاولات فشلت، لتعذّر اكتمال نصاب جلسة مجلس النواب التي كانت مقررة في 29 أبريل الماضي.

لقد بات مصطلح «الإفلاس» يستخدم بانتظام في وسائل الإعلام، للإشارة إلى حالة الدولة التي تمر بصعوبات اقتصادية كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بتفاقم ديونها، وعدم قدرتها على سداد الأقساط المستحقة عليها. وتنطبق هذه الحالة على لبنان، عندما أعلن رئيس حكومته حسان دياب في 9 مارس 2020 التخلفَ عن دفع قسطٍ قيمته 1.2 مليار دولار من سندات الخزينة اللبنانية «اليوروبوند».. فهل يعني أنه «مفلس»؟

في حال صحَّ ذلك، ستكون قائمة البلدان «المفلسة»، أي التي تخلفت عن السداد، طويلة، إذ هناك نحو71 دولة تخلفت عن سداد ديونها بين عامي 1975 و2008، من بينها أوكرانيا عام 2000، وفنزويلا عام 2004، وروسيا عام 1998. وحتى فرنسا تخلفت عن الدفع 8 مرات عبر التاريخ. مع العلم أنه لا توجد هيئة تنظيمية فوق المستوى الوطني يمكنها اتخاذ قرار بشأن «إفلاس» دولة ما، وقد سبق أن حاول صندوق النقد الدولي تعريف مفهوم «عجز الدولة عن السداد»، من أجل طمأنة الدائنين وتخفيف وطأة الدَّين عن المدينين، لكن المحاولةَ باءت بالفشل.

ويلاحظ أن تحديد مصطلح «الإفلاس» يشير إلى إجراء قانوني يتعلق بشخص أو شركة غير قادرة على سداد ديونها المستحقة، وينطوي على جرد جميع أصول المدين وتقييمها، لاستخدامها بعد ذلك لسداد الديون. أما بالنسبة للبلدان، فالوضع مختلف، لأنه بحكم سيادة الدول لا توجد سلطة عليا يمكنها إجبار بلد ما على سداد ديونه، حتى المنظمات الدولية لا تملك القدرةَ على إلزام الدول بأي قرار، لكن يمكنها تقديم المشورة لتجنب السمعة السيئة عالمياً. لذا لا يمكن لدولة ما أن «تفلس» على ذلك النحو، أي أن تتم تصفية أصولها مثل أي شركة، لأنها كيان سيادي بحكم تعريفها.

ويستدل من كل ذلك أن لبنان بلد غير «مفلس»، وهو بالوقائع والأرقام، بلد «غني» بدولته التي تملك أصولاً وعقارات وشركات استثمارية كبيرة منتجة، وكذلك «غني» بشعبه الذي يملك ثروات مالية وودائع مصرفية وأسهماً في شركات عالمية. وهناك رجال أعمال لبنانيون على لائحة أكبر أثرياء العالم. لكن المشكلة الخطيرة التي أدت إلى الانهيار المالي والاقتصادي تكمن في «إفلاس» المنظومة السياسية، وعجزها حتى فشلها عن إدارة شؤون البلد، نتيجة الفساد المستشري والغارقة فيه.

ورغم أن لبنان «متعثر» مالياً منذ أكثر من سنتين، فهو قادر على النهوض الاقتصادي، واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي به، مع التزامه بتنفيذ الإصلاحات التي سبق أن اتفق عليها مع صندوق النقد الدولي.

وبما أن المشكلة المالية تكمن في تراكم الدين العام الذي بلغ 91.6 مليار دولار عام 2019، فقد تقلص نتيجة انهيار سعر صرف الليرة إلى 41.6 مليار دولار.

ومع ارتفاع قيمة احتياطي الذهب إلى 18 مليار دولار، إضافة إلى العملات الأجنبية، أصبحت موجودات مصرف لبنان تشكل 29.3% من الدين العام الإجمالي، ونحو 33.6% من صافي الدين العام، وهي تغطي نحو 189 شهراً فقط من خدمة الدين العام.

* عدنان كريمة كاتب صحفي لبناني في الشؤون الاقتصادية

المصدر | الاتحاد