السبت 14 مايو 2022 07:03 ص

أسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية

يتوقع أن يقوم بنك الاحتياطي الفيدرالي بزيادات أخرى لأسعار الفائدة ليس بعيدا للسيطرة على الاتجاهات التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي.

استغراق الدول النامية في أدوات التصحيح الممارسة بالدول الغنية لن يُجدي فهي سياسات رفاهيةٍ أمام معركة بقاء ستخوضها الدول الأقل حظاً بالعالم.

التركيز في تحليل الاقتصاد الدولي على كورونا وحرب أوكرانيا يُفَعِّل نقطة مهمة جداً وهي اقتصادات الدول النامية والفقيرة، خصوصا في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

طالما أن التصعيد والتوتر ما زالا النمط السائد في حروب الكبار المباشرة وبالوكالة فالعالم سيعاني من حالة تناقضية هي الانكماش التضخمي أو التضخم الانكماشي.

تواتر حرب أوكرانيا وكورونا ثلاثة أعوام متتالية عطّل كثيرا نشاطات الإنتاج والنقل، ما أدّى لرفع أسعار المواد الأساسية الغذائية والمشتقات النفطية وزيادة الطلب العالمي.

* * *

أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة رفع أسعار الفائدة بخمسين نقطة أساس، ما جعل مجموع الزيادة منذ مطلع العام 75 نقطة أساس. ومن المتوقع أن يقوم البنك بزيادات أخرى، وليس في البعيد، من أجل السيطرة على الاتجاهات التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي.

وتتعدّد أسباب التضخم في العالم، لكنّ المتفق عليه أن تواتر حرب أوكرانيا، وفيروس كورونا ثلاثة أعوام متتالية عطّل كثيراً من نشاطات الإنتاج والنقل، ما أدّى إلى رفع أسعار المواد الأساسية الغذائية والمشتقات النفطية، وزيادة الطلب العالمي بعد تخفيف الإجراءات على حركة الناس وتنقلهم داخل دولهم أو خارجها.

ومع فَرْض العُقوبات المتصاعدة والمتوسّعة على روسيا وبالعكس، جاء التضخّم نتيجة ارتفاع الكلف وزيادة الطلب الفعال.

ويبدو، في ظاهر الأمر، أنّ الحلّ المنطقي للتضخم هو رفع العقوبات، وتسهيل حركة المرور التجاري، ودعم الإنتاج والاستثمار. لكنّ إجراءات مواجهة التضخم عن طريق زيادة أسعار الفوائد ورفع كلف الإنتاج هو الطريق الذي وقع الاختيار عليه.

وطالما أن التصعيد والتوتر ما زالا النمط السائد في حرب الكبار المباشرة وبالوكالة، فإن العالم سيعاني من الحالة التناقضية وهي "الانكماش التضخمي"، أو "التضخم الانكماشي".

وقد بدأ الانكماش التضخمي يظهر بشكل جلي داخل الاتحاد الأوروبي وفي باقي الدول الأوروبية غير المنضوية تحت راية الاتحاد: المملكة المتحدة، وسويسرا، والنرويج.

أما في الولايات المتحدة، فإن الإدارة الأميركية ما زالت تصرّ على أن أميركا قد حققت نمواً خلال الربع الأول من العام، في الوقت الذي استمرت فيه الأسعار بالارتفاع بنسبة سنوية مقدّرة من خلال الربع الأول بحوالي 7%.

لكن، وبحسب تقرير "ديلويت" الأسبوعي عن حال الاقتصاد العالمي، والصادر يوم الرابع من مايو الحالي، فإن النمو الحقيقي للولايات المتحدة كان سالباً (-) بنسبة 1.4%، في حين أن إدارة الرئيس جو بايدن ترفض هذا الأمر، وتشير إلى زيادة إيجاد فرص العمل (480 ألف وظيفة) خلال إبريل الماضي، وإلى زيادة الصادرات.

ووفق هذه التصورات، تتفاوت الإجراءات، ففي الوقت الذي يرفع فيه البنك الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة، يحافظ البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة على اليورو ثابتة عند مستوى متدّنٍ.

فالولايات المتحدة تركز على السيطرة على النزعة التضخمية، بينما تركز أوروبا، رغم ارتفاع الأسعار فيها، على إعطاء الاستثمار فرصة لكي تقلل من أثر الانكماش على نموها وفرص العمل فيها.

لكن تركيز الاقتصاد الأميركي على التضخم دفع دولا كثيرة تربط عملتها بالدولار إلى رفع أسعار الفائدة فيها، ومنها الدول العربية. وقد رأينا أن دولاً خليجية (باستثناء سلطنة عُمان) أعلنت فوراً رفع أسعار الفائدة فيها بخمسين نقطة أساس، بعد إعلان البنك الفيدرالي عن إجراء ذلك.

كذلك فعلت الأردن التي لا يعاني اقتصادها من ارتفاع الأسعار، بل من تدني نسبة النمو المطلوبة، لكنّها تتحاشى ارتفاع تكاليف المعيشة فيها، في ضوء الارتفاعات التي شهدتها الأسواق الأردنية، خصوصا إبّان شهر رمضان.

وإذا عدنا إلى الاقتصاد الروسي، فمن الواضح أن معدّلات النمو المتوقعة لهذا العام في ظل الحرب والمقاطعات والحرب التجارية مع الغرب ستكون متدنية.

ومع التكتم على المعلومات، تؤكّد المصادر الدولية أن الاقتصاد الروسي يعاني أيضاً من الانكماش التضخمي. ولربما يكون في ثنايا هذا الأمر تذكرة للمخططين الروس بزيادة الاستثمار الصناعي في بلدهم، وتقليل الاعتماد على الاستيراد وعلى المواد الخام للتصدير وتغذية خزينة الدولة بالمال. وهذا ما يؤكّد عليه السياسيون الروس، بمن فيهم الرئيس بوتين نفسه.

وبالنسبة للصين، هناك ارتفاع في الأسعار، وتراجع في معدّلات النمو بدأت تظهر ملامحه أصلاً قبل كورونا وقبل الحرب الحالية في أوكرانيا وشبة جزيرة القِرِم.

ومع أن الموقف الصيني من النزاع الأوروبي الجاري أقرب إلى التوازن، بسبب تعقد المصالح الصينية مع الجانبين، إلا أن الصين ترى أن حربها الحقيقية هي مع كورونا. ولذلك هي ماضية في الإغلاقات في المدن، عندما تسجل إصابات بهذا الوباء بين سكانها. ولهذا بالطبع أثر مباشر على النشاط الاقتصادي في الصين.

لكنّ التركيز في تحليل حال الاقتصاد الدولي على كورونا وحرب أوكرانيا يُفَعِّل نقطة مهمة جداً، وهي اقتصادات الدول النامية والفقيرة، خصوصا في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

وقد تبين أن كثيراً من هذه الدول تعاني من ظاهرة القحط وقلة الأمطار، وتناقص الإنتاج الغذائي، واهتلاك الثروة الزراعية بشقّيها النباتي والحيواني.

وإذا استمرّت حالة الجفاف وشحّ الأمطار، فلا بد أن يؤدّي ذلك إلى هجرات سكانية كبيرة، وزيادة الضغوط الناشئة عن الهجرة المدفوعة بالجوع. ونحن نرى موت البشر ونفوق الحيوانات في دول مثل كينيا، تنزانيا، السودان، الأرجنتين، البرازيل، وغيرها.

سيكون المناخ في السنوات المقبلة المصدر الأساس للمآسي الجديدة، مثل اندلاع أمراض معدية قديمة (إيبولا، حمّى القرود والبقر والخنازير، الملاريا)، وأشياء جديدة متحوّرة لا يعلم بها إلا الله.

من ناحية أخرى، سينصبّ الاهتمام العالمي على توفير الأمن الغذائي للدول، خصوصاً أنّ ملامح عدم الاستقرار السياسي باتت تنتشر بسرعة في دول كثيرة، بسبب نقص الغذاء وارتفاع أسعاره.

سوف تحول الأنظار في الأيام المقبلة من السياسات الاقتصادية التصحيحية باستخدام أدوات السياسة النقدية (أسعار الفائدة، أسعار الصرف، عرض النقد... إلخ)، وأدوات السياسة المالية (الإنفاق الحكومي، الضرائب، والاقتراض العام)، إلى السياسات الهيكلية الوجودية، وهذا صار يتطلّب جهوداً خارقة.

أما استمرار الاستغراق في الدول النامية على أدوات التصحيح الممارسة في الدول الغنية لن يُجدي، فهي سياسات رفاهيةٍ أمام معركة البقاء التي ستخوضها الدول الأقل حظاً في العالم.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد