الأربعاء 18 مايو 2022 01:21 م

بالنسبة لإيران، يرتبط غزو أوكرانيا ارتباطًا وثيقًا بجوهر النظام العالمي الحالي. ومثل روسيا، أعربت إيران مرارا عن استيائها من الطريقة التي يعمل بها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. وتنظر إيران وروسيا إلى العالم من خلال عدسات متشابهة بشكل لافت للنظر. وكلاهما يتوقع نهاية قريبة للهيمنة الجيوسياسية للغرب.

وكان لإيران أسبابها للتفكير بهذه الطريقة حيث أثار انفراد الولايات المتحدة بالنظام العالمي بعد عام 1991 مخاوف عميقة خاصة مع انتشار القواعد الأمريكية محيطها. ومثل روسيا، تنظر الجمهورية الإسلامية إلى نفسها على أنها حضارة منفصلة لا تحتاج فقط إلى الاعتراف بها من قبل الآخرين ولكن لامتلاك مساحة جيوسياسية مناسبة لإبراز نفوذها.

ويعرف العقل الإيراني والروسي بوضوح مناطق النفوذ المفترض لكل منهما. بالنسبة لروسيا، فإنها الأراضي التي كانت تشكل الإمبراطورية السوفييتية ذات يوم. وبالنسبة لإيران، فإنا الدول المتجاورة التي تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط ​​- العراق وسوريا ولبنان - بالإضافة إلى اليمن.

وعندما يكون لدى القوتين الإمبرياليتين السابقتين مصالح إستراتيجية متداخلة كما في جنوب القوقاز وبحر قزوين على سبيل المثال، فإنهم يطبقون مفهوم الإقليمية. وهذا يعني منع القوى غير الإقليمية من ممارسة نفوذ اقتصادي وعسكري ضخم، ويدور هذا المفهوم في الغالب حول تفعيل نظام تهيمن عليه القوى المتاخمة للمنطقة فقط.

ويفسر ذلك إلى حد كبير سبب اعتبار إيران للغزو الروسي لأوكرانيا فرصة، باعتبار أنه يمكن أن يسرع نهاية النظام العالمي الليبرالي. وهذا هو السبب وراء التزامها بالخط الروسي إلى حد كبير وشرح ما تصفه بالدوافع المشروعة وراء الغزو، باعتبار أن توسع الناتو إلى أوروبا الشرقية هو الذي أثار التحركات الروسية. وقال المرشد الأعلى "علي خامنئي" في أعقاب الغزو: "إن سبب الأزمة في أوكرانيا هي السياسات الأمريكية التي كانت أوكرانيا إحدى ضحاياها".

وتأثر نهج إيران تجاه أوكرانيا أيضًا بحوادث مؤسفة مثل الإسقاط العرضي لطائرة ركاب أوكرانية بصواريخ أرض - جو إيرانية في يناير/كانون الثاني 2020، ما أسفر عن مقتل 176 شخصًا. ونفى النظام في البداية مسؤوليته، ثم ألقى باللوم في وقت لاحق على خطأ بشري.

ومثل العديد من الأصدقاء والمدافعين الآخرين عن روسيا، كان السيناريو المثالي بالنسبة لإيران هو حرب سريعة يحقق فيها الكرملين أهدافه الرئيسية. ومع ذلك، فإن الحرب التي طال أمدها ترسل إشارة سيئة. إنها تشير إلى أن النظام الليبرالي لم يكن في حالة متدهورة كما كان يظن البعض، وأن دعوات روسيا لعصر جديد في العلاقات الدولية كانت بعيدة كل البعد عن الواقعية.

وبالنسبة لإيران، تُظهر الحرب غير الناجحة أيضًا أن الغرب "المتحد" لا يزال يتمتع بقوة كبيرة جدا وبقدرة على الاندماج بسرعة للدفاع عن النظام القائم على القواعد. كما تظهر العقوبات المفروضة على روسيا أن الغرب قادر على تقديم تضحيات اقتصادية كبيرة للتعبير عن غضبه. بعبارة أخرى، أرسل فشل روسيا في أوكرانيا رسالة إلى إيران وأصدقاء موسكو مفادها أن الغرب ما زال قويا بل أصبح أكثر اتحادًا من أي وقت مضى.

وستتأثر المفاوضات المستمرة بشأن إحياء اتفاق نووي بشدة بكيفية استمرار الحرب الروسية، وكيف تواصل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الرد على العدوان. وتخشى إيران من أن تكون روسيا المهزومة غاضبة للغاية بحيث تستخدم موقعها الحاسم لتعريض المحادثات للخطر، وهو أمر حيوي لرفع العقوبات الغربية.

وبالرغم من الدعم الخطابي لروسيا، كانت إيران حريصة على عدم المبالغة في تقدير قوة روسيا. وليس من الواضح الآن ما إذا كان الكرملين حقق هدفه طويل المدى المتمثل في "حماية" حدوده الغربية. في الواقع، ربما يكون نظام "بوتين" فعل العكس الآن بعد أن دفع فنلندا والسويد إلى حظيرة الناتو. ومن المرجح أن تستمر العقوبات الغربية على روسيا لفترة طويلة، مما يهدد الاقتصاد الروسي على المدى الطويل.

علاوة على ذلك، فإن رعاية روسيا للكيانات الانفصالية (بعد الاعتراف بما يسمى بجمهوريات لوهانسك ودونيتسك وغيرها من الكيانات المنشقة في جورجيا ومولدوفا) يعد موضوعًا حساسا في إيران نظرًا للنزعات الانفصالية في أطراف البلاد وهو ما يجعل طهران حريصة على "مبادئ ويستفاليا" المتمثلة في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وسلامة أراضيها.

ويتعاطف العديد من الإيرانيين أيضًا مع محنة أوكرانيا، والتي تثير في نظر البعض هزائم إيران في حروب أوائل القرن التاسع عشر عندما اضطر "القاجار" للتنازل عن الجزء الشرقي من جنوب القوقاز لروسيا. ويشكل هذا جزءًا من مشاعر راسخة تاريخياً مناهضة للإمبريالية في إيران.

لذلك من المرجح أن تمتنع إيران إلى حد كبير عن تأييد طموحات روسيا الانفصالية في شرق أوكرانيا. كما ستتجنب دعم روسيا في المحافل الدولية، وهو ما تجلى في جلسة 2 مارس/آذار في الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما امتنعت إيران عن التصويت الذي أدان الغزو بدلاً من الوقوف إلى جانب روسيا.

ويعد الأداء العسكري الروسي الضعيف ونجاح الغرب في التصرف بشكل موحد، بمثابة تحذير للجمهورية الإسلامية من أنها قد تواجه أزمة كبرى إذا تحركت أوروبا والولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى بشكل موحد.

في غضون ذلك، تأمل إيران (مثل الصين) في الاستفادة من الانشغال العالمي بحرب أوكرانيا لتحقيق المزيد من الاختراقات في قائمة الطموحات الإيرانية في أماكن أخرى.

المصدر | إميل أفدالياني/ مركز تحليل السياسة الأوروبية – ترجمة وتحرير الخليج الجديد