الأربعاء 18 مايو 2022 05:58 ص

أخطار ليبيا أوضح من أن تتعامى عنها الأبصار

تشهد ليبيا انقسامات تعكس توازنات قوى خارجية تدخلت في ليبيا بشكل مباشر عسكري أو عبر ميليشيات ومرتزقة ساندت هذا الفريق أو ذاك.

تحتاج ليبيا تعقلا وحكمة وتغليب مصلحة البلاد على الصراعات الجانبية والولاءات الخارجية فالأخطار أوضح من أن تتعامى عنها الأبصار أو تنكرها الضمائر.

من الحكمة أن يدرك باشاغا مخاطر التصعيد وتعريض ثروة النفط لتجاذبات مؤذية لا طائل من ورائها سوى إلحاق مزيد من الأضرار بمصالح شعب ليبيا.

ظهر فتحي باشاغا في طرابلس تحت حماية كتيبة النواصي مما أسفر عن اشتباكات بأسلحة خفيفة ومتوسطة وأعمال عنف اضطرته لمغادرة المدينة بعد ساعات قليلة.

قرر برلمان شرق ليبيا في فبراير الماضي تعيين باشاغا رئيسا للحكومة الأمر الذي رفضه المجلس الأعلى للدولة ورئيس حكومة الوحدة الوطنية الذي يأبى تسليم السلطة إلا لحكومة يشكلها برلمان جديد منتخب من الشعب.

* * *

خلافاً لتعهدات صريحة سبق أن قطعها بممارسة مهامه من مدينة سرت والامتناع عن دخول العاصمة الليبية بالقوة، ظهر رئيس الحكومة الليبية المكلف من مجلس النواب فتحي باشاغا في طرابلس تحت حماية كتيبة النواصي، الأمر الذي أسفر عن اشتباكات بأسلحة خفيفة ومتوسطة وأعمال عنف اضطرت باشاغا إلى مغادرة المدينة بعد ساعات قليلة.

ومن المعروف أن البرلمان في شرق ليبيا كان قد اتخذ في شباط/ فبراير الماضي قراراً بتعيين باشاغا رئيساً للحكومة، الأمر الذي قوبل برفض من المجلس الأعلى للدولة ومن عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الذي يأبى تسليم السلطة إلا إلى حكومة يشكلها برلمان جديد منتخب من الشعب.

ليس خافياً كذلك أن انقسامات ليبيا على مستويات الحكم والسلطة والجيش والمؤسسات والاقتصاد وتصدير النفط ليس جديداً، وقد تكرس تباعاً منذ إسقاط نظام العقيد معمر القذافي في أعقاب انتفاضة شعبية سنة 2011.

وأن قسطاً غير ضئيل من تلك الانقسامات إنما يعكس توازنات القوى الخارجية التي تدخلت في ليبيا على أصعدة عسكرية مباشرة او عبر ميليشيات ومرتزقة وساندت هذا الفريق أو ذاك.

ورغم أن وتائر نفوذ دول مثل الإمارات ومصر وروسيا وتركيا وفرنسا قد انحسرت نسبياً، إلا أن حضورها يظل فاعلاً وملموساً خاصة في حالة المشير الانقلابي خليفة حفتر الذي سبق لقواته أن سعت إلى اجتياح العاصمة طرابلس وما يزال تأثيره كبيراً على قرارات برلمان طبرق.

وبالنظر إلى التعقيدات المتجددة التي أخذت تطبع المشهد الليبي بعد الاستعصاء الجديد المتمثل في وجود جهتين متنافرتين للحكم، كان حرياً بحكومة باشاغا أن تمتنع عن صبّ المزيد من الزيت على نيران مشتعلة أصلاً، وأن يتريث رئيسها في دخول طرابلس بقوة السلاح وعلى نقيض ما كان قد وعد به علانية.

ذلك لأن نيران حرب أهلية شاملة وأكثر دموية قد لا تحتاج إلا إلى شرارة بسيطة من هذا النوع، خاصة وأن الخطوة رمزية في نهاية المطاف بدليل أن باشاغا لم يمكث في العاصمة إلا ساعات قلائل وغادرها مرغماً على الأرجح.

وكان من الحكمة أن يدرك رئيس حكومة البرلمان مخاطر التصعيد كما باتت تتجلى في ميادين أخرى حساسة، مثل تعريض الثروة النفطية الوطنية إلى تجاذبات مؤذية لا طائل من ورائها سوى إلحاق المزيد من الاضرار بمصالح الشعب الليبي.

وفي هذا السياق جاء قرار عدد من الأعيان في وسط ليبيا وجنوبها بإيقاف إنتاج وتصدير النفط حتى تسليم السلطة إلى حكومة باشاغا، الأمر الذي يعني أيضاً إجبار حكومة الدبيبة على الاستسلام وهذا خيار لا يبدو وارداً اليوم في ضوء معطيات المشهد الراهن.

وجدير بالذكر أن منطقة الزويتينة التي خضعت لهذا الإجراء تحتوي على أهم موانئ تصدير النفط، بالإضافة إلى عدد من أكبر الحقول.

واليوم كما في الماضي القريب والبعيد تحتاج ليبيا من ساستها إلى التعقل والحكمة وتغليب مصلحة البلد على الصراعات الجانبية والولاءات الخارجية، فالأخطار الجاثمة أكثر وضوحاً من أن تتعامى عن رؤيتها الأبصار أو تنكرها الضمائر.

المصدر | القدس العربي