الأربعاء 18 مايو 2022 03:08 م

جدلية الفائدة والتضخم بين لاغارد وباول

هل أدى رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة على الدولار لإبطاء تعافيَ الاقتصاد العالمي من جائحة كورونا؟

خلافٌ جيوسياسي يعكس أنانية أمريكية ونزعة تفرد، وقيادة لا تحمل مفرداتها معاني القيادة الجماعية حتى مع شركائها الأوروبيين، وحلفائها في الناتو.

ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يتحمل مسؤولية نصف الارتفاع في نسب التضخم بأوروبا وأن التضخم الذي بلغ 7.5% يتوقع أن يبلغ 14% نهاية العام الحالي.

الحلول المالية المقترحة تختلط بحلول جيوسياسية، لمعالجة إشكالات الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد معا وباتت مرتبطة بشدة بالأزمة المالية في أمريكا وحرب أوكرانيا.

مسارات التعامل مع الأزمة تتباين بتباين الأسباب والتحليل لواقع الأزمة وتفاعلاتها ما يحد من فرص التعاون بين أوروبا وأمريكا في الأدوات المالية المُثلى للتعامل مع تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع التضخم.

* * *

يتفق كل من ديفيد مالباس مدير البنك الدولي، وكريستالينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي على أن رفع الولايات المتحدة سعر الفائدة أبطأ تعافيَ الاقتصاد العالمي من جائحة كورونا.

لم يتجاهل المسؤولان في اللقاء الذي نظمه مالباس مدير البنك الدولي تحت عنوان "الاستجابة للصدمات وإدارة حالة انعدام اليقين"، تداعيات حرب أوكرانيا، ودورها في الانتكاسة الاقتصادية والتضخم الذي بات عالميا؛ بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتعطل سلاسل التوريد.

مالباس وجورجيفا دعيا الولايات المتحدة للجوء إلى طرق وأدوات مالية واقتصادية بديلة عن رفع سعر الفائدة على الدولار، كمعالجة البطء في إجراءات تحصيل الضرائب، والتعاون بين مدراء البنوك المركزية، وهو الأمر الذي تجاهله رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول.

فالمسؤولان الدوليان مالباس وجورجيفا حذرا من ارتدادات السياسة النقدية الأمريكية على الاقتصاد العالمي؛ برفع خدمة الدين للدول الفقيرة والنامية، وإبطاء النمو وانكماشه في بعض الدول؛ إذ ستعاني 140 دولة تمثل 60% من حجم الاقتصاد العالمي من آثار هذه السياسات؛ ما يعني أزمةً تتطلب تأجيل سداد خدمة الدين لمعالجة الآثار الكارثية للحرب الأوكرانية، وارتفاع قيمة المديونية التي تطرق أبواب بعض الدول بقوة، بحسب جورجيفا مسؤولة صندوق النقد، عارضة سيريلانكا كمثال على ذلك.

النقاش لم يقتصر على المسؤولين في صندوق النقد والبنك الدولي، ففي اللقاء الذي جمع كلًّا من: محافظ البنك المركزي الأوروبي كريستينا لاغارد، ورئيس الاحتياطي الأمريكي جيروم باول، إلى جانب مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجيفا، ظهرت الجدلية بشكل أوضح وقوة؛ فالمسؤولة الأوروبية لاغارد وفي إطار ردها على الحجج والدوافع الأمريكية لرفع الفائدة، أكدت أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يتحمل مسؤولية الارتفاع في نسب التضخم في أوروبا بنسبة 50%.

وأن التضخم الذي بلغ 7.5% ويتوقع ان يبلغ 14% نهاية العام الحالي يمكن ان ينخفض الى 3% في حال انخفضت أسعار الطاقة والغذاء، معتبرةً ذلك بديلا للسياسات المتبعة من قبل جيروم باول، مُعوِّلة بذلك على إيجاد حل لأزمة أوكرانيا، أو إيجاد بدائل وحلول لأزمة الطاقة التي باتت ضاغطة على أوروبا، سواء في معدلات التضخم أم النمو.

جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من ناحيته أكد أن بلاده متمسكة برفع معدل الفائدة، وصولا لمعدلات تضخم 2.5% كحد أدنى، وهو بذلك يُرَحِّل ويَنقل أزمة الدولار والتضخم في أمريكا لتصبح أزمة عالمية، دون مراعاة للخسائر والأضرار التي ستحل بالدول النامية والفقيرة التي يُعوِّل باول على السياسة النقدية، والقروض المقدمة من صندوق النقد والبنك الدولي لمعالجتها، بجانب المساعدات، وإعادة الجدولة، أو حتى تأجيل خدمة الدين، إلا أنه أكد أن بلاده لن تلجأ لأدوات مختلفة كالضرائب وغيرها.

الخلاف الأوروبي الأمريكي ومسارات التعامل مع الأزمة تتباين-بحسب لاغارد- بتباين الأسباب والتحليل لواقع الأزمة وتفاعلاتها؛ ما يحد من فرص التعاون بين أوروبا وأمريكا في الأدوات المالية المُثلى للتعامل مع تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع نسب التضخم. تعاونٌ ينزع صفة التفرد الأمريكي والاستقلال المالي، وهو ما ترفضه أمريكا بكامل مؤسساتها!

خلافٌ امتد أثره ليشمل التباينات والانقسامات الحادة بين أوروبا وأمريكا حول فرض المزيد من العقوبات على النفط والغاز الروسي، والأهم من ذلك الميول الأوروبية القوية للوصول لاتفاق سريع مع إيران في الملف النووي، يُسرِّع تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، ويحد من ارتفاع أسعار الطاقة.

خلافٌ جيوسياسي، ولكنه يعكس قدرًا من الأنانية الامريكية، والنزعة للتفرد، والقيادة التي لا تحمل في مفرداتها أيًّا من معاني القيادة الجماعية حتى مع شركائها الأوروبيين، وحلفائها في الناتو.

ختامًا.. ما يعنينا من هذه الجدلية ان الحلول المالية المقترحة تختلط كما هو واضح بالحلول الجيوسياسية، لمعالجة إشكالات الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد في الآن ذاته، والتي باتت مرتبطة أشد الارتباط بالأزمة المالية في أمريكا، وبحرب أوكرانيا في أوروبا، وبالصراعات والحروب في الخليج العربي والبحر الأحمر وشرق المتوسط وإفريقيا، حلقة ستقود الى استعادة المنطقة العربية لأهميتها كمنطقة تتصارع عليها الأمم، أو كمنطقة تصارع لتجد مكانها بين كل تلك الأمم!

المصدر | السبيل