الأربعاء 25 مايو 2022 01:52 م

الجزائر... روما أقل تكلفة من باريس

ثمّة توقعات استراتيجية بمواقف فرنسية "حادة وعدائية" في المستقبل، لن تكون مباشرة بالتأكيد.

تعيد الجزائر هندسة علاقاتها الإقليمية والدولية بترتيب الشركاء الإقليميين على أساس أولوية المنافع والمصالح والخيارات

تهدف الجزائر لإعادة التوازن بين الخطوط الثلاثة لعلاقاتها: العمق العربي الإسلامي، والعمق الأفريقي، والامتداد المتوسطي إلى الغرب.

كلما ابتعدت السلطة السياسية في خياراتها السياسية والاقتصادية عن فرنسا، حظيت بأكبر دعم من المجتمع السياسي والمدني في الجزائر.

التمركز السياسي والاقتصادي الفرنسي بالجزائر وحولها عاد بالمنافع على فرنسا دون الجزائر، بل كانت الجزائر منقذا رئيسيا لشركات فرنسية من الإفلاس.

العبور إلى الغرب عبر إيطاليا سياسيا أقل تكلفة من العبور من فرنسا فتقارب المواقف في القضايا يعد مُسهّلاً ومدخلاً جيداً لتكون إيطاليا الشريك النموذجي في تلبية حاجات الجزائر في قطاعات خدمية.

* * *

اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون روما كي تكون الوجهة لأول زيارة له إلى أوروبا والغرب، منذ تبوئه الرئاسة، بعدما كانت باريس في السابق هي المدخل الرئيسي للجزائر إلى الغرب.

ويحمل هذا التطور أكثر من معنى في السياقات السياسية وإعادة هندسة الجزائر لعلاقاتها الإقليمية والدولية بشكل يعيد ترتيب الشركاء الإقليميين على أساس أولوية المنافع والمصالح والخيارات. كما يعيد التوازن بين الخطوط الثلاثة لعلاقات الجزائر، العمق العربي الإسلامي، والعمق الأفريقي، والامتداد المتوسطي إلى الغرب.

العبور إلى الغرب عبر روما، أقل تكلفة بكثير من العبور من باريس، من الناحية السياسية. تقارب المواقف في العديد من القضايا يعد مُسهّلاً ومدخلاً جيداً لتكون إيطاليا الشريك النموذجي، والأكثر إيجابية في التفاعل مع استحقاقات اقتصادية وحاجات حيوية للجزائر في بعض القطاعات الخدمية.

هكذا ترى السلطة السياسية في الجزائر، وهي تتغذى في خيارها هذا، على نوازع شعبية وسياسية معادية لفرنسا. وكلما ابتعدت السلطة السياسية في خياراتها السياسية والاقتصادية عن فرنسا، حظيت بأكبر دعم من المجتمع السياسي والمدني في الجزائر.

ذلك أن التمركز السياسي والاقتصادي الفرنسي في الجزائر وحولها لعقود، عاد بالمنافع كلها على فرنسا، من دون أن تستفيد الجزائر في المقابل من ذلك. بل إن الجزائر كانت المنقذ الرئيسي لشركات فرنسية من الإفلاس، "ألستوم" على سبيل المثال.

لم يبرز بعد الموقف الفرنسي بشكل أكثر وضوحاً من هذه التحولات المشهدية في علاقات الجزائر الإقليمية التي تستبعد فيها باريس من الحسابات لصالح شركاء آخرين.

ثمّة توقعات استراتيجية بمواقف فرنسية "حادة وعدائية" في المستقبل، لن تكون مباشرة بالتأكيد، لكون فرنسا التي تقيس بعمق التحولات القائمة في الجزائر على مستويات استقلالية القرار والأمن القومي، تدرك أن الجزائر تسترجع شيئاً فشيئاً القدرة على التصحيح الداخلي وأدوات الفعل والدور الإقليمي.

لكن ردود الفعل الفرنسية المتوقعة يمكن قراءتها بوضوح عبر وكلاء وظيفيين في المنطقة، وهي تعبر عن مقاومة باريس لخسارة مجال خصب من علاقاتها الحيوية مع الجزائر، لصالح دول تعتبر في السياقات الفرنسية غريمة إقليمية تنافسها مناطق النفوذ، كإيطاليا، ولصالح "خصوم تاريخيين" كتركيا. خصوصاً أن ذلك ترافق مع خسارات حيوية أخرى لفرنسا في ليبيا ودول الساحل وتنامي القومية الأفريقية المقاومة للنفوذ الفرنسي.

وحتى لا تغرق التقديرات الجزائرية في هذا الاتجاه، وجب الحفاظ على مسافة آمنة وفاصلة عن "فكر المؤامرة".

ولكي يبقى التقدير في إطار عقلاني يحترم كامل معطيات السياسة والاقتصاد والتاريخ حتى، ويأخذ بها بالأساس، فإن من الضرورة بمكان التأكيد على أن إيطاليا، مثلها مثل تركيا أو أي دولة اختارت الجزائر أن تضعها في مقدمة الشركاء الاقتصاديين والتعاون السياسي، ليست جمعية خيرية، ولا دولة مانحة للعطايا، ولا تصنع معروفاً من دون مقابل.

وأن كون روما أو أنقرة الأقرب إلى الجزائر على صعيد ما، لا يعني إغفال أن يكون المبدأ قائماً وضرورياً، "منفعة بمنافع"، و"مصالح بمصلحة".

* عثمان لحياني كاتب صحفي جزائري

المصدر | العربي الجديد