الجمعة 27 مايو 2022 04:31 م

العرب ولغتهم

حين يريد أحد هؤلاء التفاخر بابن له درس أو يدرس في مدارس أو جامعات أجنبية، يقول إنه لا يتكلم العربية وإنما الإنجليزية أو الفرنسية!

تطوير لغتنا لئلا تبقى جامدة مهمة جديرة بعناية أهل اللغة والفكر والثقافة والعلم والأدب لا أن نهرب بإدارة الظهر لها واعتبارها لغة آيلة للاندثار.

ظاهرة عربية ليس لها مثال بالعالم: ليس هناك شاعر في العالم يخطئ بلغته الأم إلا العرب، وهذه كارثة إن لم تتداركها مؤسساتنا التربوية والجامعية.

كيف يجوز لنا التفاخر بمعرفة لغات الآخرين ولا نشعر بالقصور والعجز لعدم معرفة لغتنا، وهي لغة عالمية كانت ذات يوم لغة أمم وأقوام أخرى غير أصحابها العرب؟

* * *

لا نحسب أن هناك أمة في العالم تتعامل مع لغتها باستعلاء، كما يفعل البعض من بني قومنا، الذين لا يروق لهم أن يتحدثوا بهذه اللغة أو يكتبوا، ويفضلون على ذلك لغة الأمم الغالبة؛ كوننا اليوم مصنّفين في دائرة الأمم المغلوبة.

فالكثيرون ممن يتحدثون أو يكتبون بالإنجليزية أو بالفرنسية وغيرهما، لا يفعلون ذلك في الكثير من الحالات، من باب الاضطرار، كأن يكونوا في حال مخاطبة مع الناطقين بواحدة من هذه اللغات، ولا لأنهم نشأوا وتربّوا، وربما ولدوا، في مجتمعات غير عربية، فلم يتيسر لهم التمكّن من لغة آبائهم وأجدادهم، وإنما يفعلون ذلك من باب التباهي، بما ينطوي عليه هذا التباهي من ازدراء للغتهم الأصل، والتعالي عليها.

حين يريد أحد هؤلاء التفاخر بابن له درس أو يدرس في مدارس أو جامعات أجنبية، يقول إنه لا يتكلم العربية وإنما الإنجليزية أو الفرنسية، وفي إمعان بهذا التفاخر يضيف أن الابن يتكلم تلك اللغة كالبلبل؛ دلالة الإتقان والتمكّن.

وأمر رائع أن يتعلم أبناؤنا وبناتنا لغات أجنبية، وأن يتمكنوا منها ويتحدثوا بها بـ«طلاقة البلبل»، فاللغات الأخرى هي جسور للمعرفة والتثاقف والتفاعل مع الأمم الأخرى، بما يغني ثقافتنا الوطنية بروافد جديدة نحتاج إليها، في عالم بات متداخلاً ومتشابكاً ومترابطاً، كما لم يكن يوماً.

ولكن السؤال المهم هو: كيف يجوز لنا التفاخر بمعرفة لغات الآخرين ولا نشعر بالقصور والعجز لعدم معرفة لغتنا، التي هي لغة عالمية كانت ذات يوم لغة أمم وأقوام أخرى غير أصحابها العرب؟

طبعاً لن تنقص هؤلاء الذين لا يجدون في عدم معرفتهم أو تمكّنهم من لغتهم العربية الحجج والذرائع، كالزعم بأنها لغة عاجزة، قاصرة، غير قادرة على مواكبة الجديد في العلم والثقافة والفكر!

لكن لو جارينا هذا المنطق لجاز لنا أن نقول إنه على الصينيين واليابانيين والروس أن يغادروا لغاتهم، لا لسبب وإنما لأن الكثير من المفاهيم والمصطلحات الجديدة ذات جذور أنجلو سكسونية أو فرانكفونية.

حسناً. لنوافق على أن لغتنا بحاجة فعلاً إلى تطوير كي لا تبقى جامدة، فتلك مهمة جديرة بعناية أهل اللغة والفكر والثقافة والعلم والأدب منا، لا أن نهرب من هذا الاستحقاق بإدارة الظهر لهذه اللغة واعتبارها في نطاق اللغات الآيلة إلى الاندثار.

وهذا ما أوحت لي به مداخلة للشاعر العربي أدونيس قالها في معرض الكتاب بأبوظبي قبل يومين، وهو يتحدث عن ظاهرة عربية ليس لها مثال في العالم، تتمثل في أنه ليس هناك شاعر في العالم يخطئ بلغته الأم إلا العرب، وهذا في رأيه يرقى إلى مقام الكارثة، إن لم تتداركه مؤسساتنا التربوية والجامعية.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج