الأربعاء 1 يونيو 2022 12:31 م

حرب باردة أم تواضع أمريكي؟!

تنفق الصين أموالا هائلة على البنية التحتية في دول الحزام والطريق بما يسمح لها لاحقا باستخدام نفوذها.

حروب أمريكا اللانهائية أتت على الكثير في الداخل الأمريكى نفسه، وهو ما تسعى إدارة بايدن لعلاجه حتى تستطيع منافسة الصين.

تدرك أمريكا خطورة مشروع الحزام والطريق العملاق على مصالحها، فعند الانتهاء منه سيكون قد ربط أكثر من 140 دولة باقتصاد الصين.

الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين واستراتيجية إقليم المحيطين الهندى والهادى تأخذان نهجا يؤدى في التحليل النهائي لحرب باردة مع الصين.

تقوم سياسة إدارة بايدن على تقوية تحالفاتها العسكرية لتطويق الصين بمجالها الحيوى من كل جانب؛ ودعم علاقاتها التجارية والاقتصادية بدول المنطقة لمنافسة الصين.

أكثر ما تخشاه إدارة بايدن التطور التكنولوجى الصينى خاصة في تكنولوجيا المعلومات خوفا من أن تستخدمه الصين في مجالات حيوية من التجسس للتسلح.

لا بد لنجاح أمريكا في حرب باردة مع الصين أن تطلب بالضرورة من حلفائها الاختيار بينها وبين الصين، كما طالبت دول العالم مؤخرا بموقف واضح من روسيا بعد غزو أوكرانيا.

* * *

في أسبوع واحد، أعلنت إدارة بايدن وثيقتين تتعلقان بمواجهة الصين. أولاهما كانت عشية زيارة بايدن الآسيوية وأطلق عليها «الإطار الاقتصادى لإقليم المحيطين الهندي والهادي»، أما الثانية فهى «الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين».

وبذلك تكون الإدارة قد أصدرت أربع وثائق تخص العلاقة بالصين، إذ جاء قبلهما ما سمى «استراتيجية إقليم المحيطين الهندي والهادي»، فضلا عما يعرف بـ«بالبناء دوليا بشكل أفضل».

وعدد الوثائق يجسد في ذاته الأولوية التي تعطيها أمريكا لما تطلق عليه إقليم المحيطين الهادى والهندى، لأنها باتت تعتبر الصين التهديد الأول لهيمنتها على العالم.

وسياسة إدارة بايدن، كما يتضح من الوثائق الأربع تقوم على محاور عدة:

- أولها تقوية تحالفاتها العسكرية بالمنطقة من أجل تطويق الصين في مجالها الحيوى من كل جانب،

- ثانيها دعم علاقاتها التجارية والاقتصادية مع دول المنطقة من أجل منافسة الصين.

فقد صارت الولايات المتحدة تدرك الخطر الذي يمثله مشروع الحزام والطريق العملاق على مصالحها. فحين الانتهاء منه سيكون قد ربط أكثر من 140 دولة بالاقتصاد الصينى ومشروعاته. والصين تنفق أموالا هائلة على البنية التحتية في تلك الدول بما يسمح لها لاحقا باستخدام نفوذها.

لكن أكثر ما تخشاه إدارة بايدن هو التطور التكنولوجى الصينى خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات، خوفا من أن تستخدمه الصين في مجالات حيوية كثيرة من التجسس للتسلح.

لكن الحروب الأمريكية اللانهائية أتت على الكثير في الداخل الأمريكى نفسه.

وهو ما تسعى إدارة بايدن لعلاجه حتى تستطيع منافسة الصين. ومن هنا كان مشروعها الذي صار قانونا ويتضمن إنفاقا هائلا على البنية التحتية والبحث العلمى لرفع قدرة أمريكا التنافسية.

غير أن باقى محاور السياسة الأمريكية، بما فيها تحالفاتها الآسيوية، تواجه تحديات كبيرة هي الأخرى.

لذلك فلعل الملمح الجديد الذي حملته تلك الوثائق بخصوص تحالفاتها الآسيوية هو حرص الولايات المتحدة على أخذ مصالح أولئك الحلفاء في الاعتبار. وهو في ذاته يمثل تحولا مهما إذا كنا نتحدث عن سلوك الولايات المتحدة الخارجى!

ووثيقة الإطار الاقتصادي هي أكثر الوثائق تعبيرا عن ذلك المنحى. فقد مثل الإعلان عن ذلك الإطار الذي ضم اثنتي عشرة دولة نجاحا للدبلوماسية الأمريكية، انبنى بالأساس على التخلي عن الغطرسة، وعن فرض شروط ومطالب على الدول الأطراف.

فدول المنطقة بما فيها تلك التي تخشى الهيمنة الصينية وترغب في أن يوازن الدور الأمريكي النفوذ الصيني، مثل الهند، لا تريد في الوقت ذاته أن تكون طرفا في صراع أمريكي صيني، ولها مصالح حيوية مع الصين.

لذلك كانت تلك الدول كلها تقريبا مترددة، حتى وقت قريب، في الانخراط في مثل ذلك الإطار الاقتصادي.

لكنها انضمت في النهاية بعدما تمت صياغته ليعبر صراحة عن التزام الولايات المتحدة بجولات مفاوضات متتالية طوال العام الحالي، يصوغ فيها الجميع شروط التعاون بشكل مشترك. والأهم أن أمريكا استجابت لرفض تلك الدول ضم تايوان لذلك الإطار لئلا تستعدي الصين.

لكن الشهور القادمة هي التي ستكشف ما إذا كان ذلك المسار الجديد يمثل تحولا حقيقيا في السلوك الأمريكي. فالاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين واستراتيجية إقليم المحيطين الهندي والهادي، مكتوبتان بلغة ونبرة جد مغايرة. فكلتاهما تأخذ نهجا يؤدى في التحليل الأخير لحرب باردة مع الصين، لا بد لنجاح أمريكا فيها أن تطلب بالضرورة من حلفائها الاختيار بينها وبين الصين، مثلما فعلت مؤخرا حينما طالبت دول العالم بموقف واضح من روسيا بعد غزو أوكرانيا.

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، باحثة في الشأن الأمريكي.

المصدر | المصري اليوم