الأحد 5 يونيو 2022 02:50 م

العراق.. واستثمار نفط أربيل

الانسداد السياسي بالعراق ساهم في عدم التوصل إلى اتفاق بين بغداد وأربيل حول استثمار النفط والغاز في إقليم كردستان.

رغم إدراك الشركات والدول المعنية بحجم المخاطر السياسية وتداعيات «النزاع القائم» أقدمت على الاستثمار بكردستان للاستفادة من شروط تجارية مغرية لدرجة جعلتها تتقبَّل المخاطر.

لم يعد ملف نفط وغاز أربيل نزاعا محليا، بل نزاع دولي، يشمل شركات عالمية ودولا معنية، وخلاف كبير مع تركيا التي كان التصدير يتم عبرها، وتودع الإيرادات بمصرف تركي لحساب حكومة أربيل.

* * *

الانسداد السياسي الذي يعانيه العراق منذ الانتخابات النيابية في أكتوبر الماضي بسبب الخلافات المستحكمة بين الأحزاب السياسية، ساهم في عدم التوصل إلى اتفاق بين بغداد وأربيل حول استثمار النفط والغاز في إقليم كردستان، ما اضطر الحكومة العراقية إلى تنفيذ قرار المحكمة الاتحادية العليا الصادر في 15 فبراير الماضي بعدم دستورية قانون الإقليم المعتمد منذ 2007، واعتبار العقود المبرمة بموجبه مع شركات وأطراف ودول «باطلة»، وإلزامها بتسليم الكميات المنتجة إلى شركة «سومو» المملوكة من الدولة الاتحادية.

وتنفيذاً لقرار المحكمة، وهو «دستوري وقطعي»، بدأت وزارة النفط سلسلةَ خطوات للسيطرة على إيرادات النفط والغاز في الإقليم شبه المستقل والمقدّرة بنحو 400 ألف برميل يومياً، يتم تصدير معظمها عبر خط أنابيب يمتد إلى الساحل التركي، ثم إلى الأسواق العالمية.

وقد طلبت الوزارة رسمياً من الشركات الأجنبية البالغ عددها نحو 40 شركة من 19 دولة (منها أميركية وأوروبية وصينية وتركية) توقيعَ عقود جديدة مع شركة «سومو» المعتمدة لتسويق الإنتاج العراقي.

وسبق للمجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي برئاسة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، أن استدرك، منذ 16 فبراير الماضي، أهميةَ وخطورة تداعيات قرار المحكمة، وكلّف وزارةَ النفط بالتواصل مع حكومة أربيل والشركات المعنية، لإعداد الآليات والخطوات الكفيلة بإدارة هذا الملف، بما يتلاءم مع نصوص الدستور ومصلحة الشعب العراقي الممتد من كردستان إلى البصرة.

وذلك انطلاقاً من أن العراق بلد فيدرالي وليس كونفيدرالياً، وثروته هي ملك للشعب، وبالتالي تكون إدارة تجارته الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية ممثلةً بشركة «سومو» وفق المادة 110 من الدستور العراقي.

والخلاف بين بغداد وأربيل قديم جداً ويعود إلى ما قبل عام 2007، لكن مسارَه القانوني بدأ عام 2012، استناداً إلى شكوى قُدّمت إلى المحكمة الاتحادية العليا التي تأخرت في البت بها بسبب التطورات الأمنية والخلافات السياسية، حتى أصدرت حكمها في 15 فبراير الماضي.

ورغم معرفة الشركات والدول المعنية مسبقاً بحجم المخاطر السياسية وتداعيات «النزاع القائم»، أقدمت على الاستثمار في الإقليم للاستفادة من شروطه التجارية المغرية، إلى درجة جعلتها تتقبَّل تلك المخاطر، ولذا يجب أن تتحمل (وفق رأي حكومة بغداد) نتائجَ تحويل عقودها مع أربيل، وهي عقود مشاركة، إلى عقود خدمة، مشابهة لعقود جولة التراخيص الموقعة بين الحكومة العراقية والشركات العالمية.

وحرصاً منها على حقوق العراق، عيّنت وزارة النفط شركة المحاماة الدولية «كليري غوتليب ستين أند هاملتون» لإجراء مباحثات مع تلك الشركات، لتتوافق عملياتها مع القانون العراقي.

مع العلم أن الحكومة الاتحادية تابعت في السنوات الأخيرة خطوات قانونية ضد الإقليم عبر محامين عراقيين ورفعت دعاوى قضائية ضد الشركات، حتى أنه تم إيقاف شحنات بموجب قرار من محكمة أميركية اعتبرتها «غير شرعية»، ما اضطر السفن المحملة إلى العودة وتفريغ حمولتها في ميناء عسقلان الإسرائيلي.

وهكذا لم يعد ملف نفط وغاز أربيل ضمن نزاع محلي عراقي، بل هو نزاع دولي، يشمل شركات عالمية ودولا معنية، خصوصاً أن الخلاف كبير مع تركيا التي كانت عمليات التصدير تتم عبرها إلى الخارج، وتودع الإيرادات في مصرف تركي لحساب حكومة أربيل. وذلك من دون موافقة حكومة بغداد التي أقامت دعوى أمام محكمة تجارية تابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس ضد تركيا بشأن مبيعات نفط الإقليم في أراضيها، وتطالبها حالياً بتسديد نحو 26 مليار دولار.

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية

المصدر | الاتحاد