الأربعاء 8 يونيو 2022 07:37 ص

حكاية العنف المسلح في أمريكا

وقائع القتل الجماعي التي تصدرت الأخبار الأمريكية مجرد واحد من تجليات أزمة هيكلية عميقة.

السلطات لا تملك سوى مراقبة تلك التنظيمات، لا نزع سلاحها ولا عقابها، إلا في صيغة «بعدما»، أي بعدما تكون قد ارتُكبت جريمة ما!

رأينا أفراد ميليشيات مُدجَّجين بالسلاح بالصوت والصورة حين اقتحموا الكونغرس، العام الماضى، لمنع التصديق على انتخاب بايدن رئيسًا!

التعديل الدستوري ينص على أن «الميليشيا المنظمة جيدًا ضرورية لأمن الدولة الحرة، ولا يجوز معها انتهاك حق الشعب في الاحتفاظ بالسلاح وحمله».

مع تنامي صعود تيار التفوق الأبيض، ازداد بشكل مذهل عدد المنظمات، أو بتعبير الدستور نفسه، «الميليشيات» المُدجَّجة بشتى أنواع الأسلحة الخطرة.

في كل واقعة قتل جماعي، يعود الجدل حول ضرورة وضع قواعد أشد صرامة لاقتناء السلاح واستخدامه، وهو الجدل الذي ينتهى في أغلب الحالات إلى لا شيء.

* * *

وقائع القتل الجماعي التي تصدرت الأخبار الأمريكية مجرد واحد من تجليات أزمة هيكلية عميقة. خمس وقائع خلال أسبوعين. أكثرها مأساوية جريمة ارتكبها شاب أبيض أطلق النار عشوائيًّا داخل متجر يرتاده السود بمدينة بافلو بولاية نيويورك، فقتل 13 شخصًا، ونُقل آخرون إلى المستشفى.

وسرعان ما فتح آخر النار بمدينة يوفالدى بولاية تكساس داخل مدرسة ابتدائية، فقتل 19 طفلا ومعلمتين، ونُقل آخرون إلى المستشفى.

وبعد ساعات قليلة لحق بالحادثين ثالث ورابع وخامس، بأيوا وأوكلاهوما ثم بنسلفانيا والبقية تأتى. وفى كل مرة تتكرر مثل تلك الحوادث، يعود الجدل حول ضرورة وضع قواعد أشد صرامة لاقتناء السلاح واستخدامه، وهو الجدل الذي ينتهى فى أغلب الحالات إلى لا شيء، وفى القليل منها إلى اتخاذ إجراءات محدودة على المستوى الفيدرالي، سرعان ما تتحايل عليها الولايات لتفريغها من محتواها.

والجدل يدور بين طرفين، أحدهما يصر على أن «امتلاك السلاح وحمله» حق ينص عليه الدستور، ومن ثَمَّ فإن أي تشريعات تتعلق به غير دستورية بالمطلق.

أما الطرف الثاني فيصر على أن الدستور لا يمنع تنظيم ذلك الحق، وأن القصة هي أن لوبي السلاح «الاتحاد الوطني للبندقية»، أعتى جماعات اللوبي الأمريكية، عبر الملايين التي ينفقها والضغوط التي يمارسها، يمثل رادعًا قويًّا للمئات من أعضاء الكونغرس يمنعهم من الاستجابة للمطالب الشعبية بوقف نزيف الدم.

والحقيقة أن الأزمة أعمق بكثير. صحيح أن لوبي السلاح يلعب دورًا جوهريًّا في ذلك الصدد، إلا أن القضية تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تضرب بجذورها فى عمق التاريخ والثقافة، فالتعديل الدستوري المشار إليه، والذي تم التصديق عليه فى القرن السادس عشر، ينص على أن «الميليشيا المنظمة جيدًا ضرورية لأمن الدولة الحرة، ولا يجوز معها انتهاك حق الشعب في الاحتفاظ بالسلاح وحمله».

وقتها كان المستوطنون البِيض يشكلون أصلا تلك الميليشيات لملاحقة العبيد، الذين يهربون من نير العبودية ولقتل الأمريكيين الأصليين مقابل مبالغ مالية عن كل رأس بشري يأتون به، أي أن الدستور أضفى الشرعية على أوضاع كانت قائمة بالفعل.

ورغم أن الأمور استقرت لاحقًا لصالح المستوطنين، ثم أُلغيت العبودية، بعد ذلك بقرون، فإن النص ظل بالدستور، واستغله البِيض، زمن الفصل العنصري، لقتل السود.

وقتها كانت منظمات التفوق الأبيض تلاحقهم، فتضرم النيران فى بيوتهم وتقتلهم بالسلاح وبالسياط وبالتعليق على الأشجار حتى الموت، دون عقاب. ورغم انتهاء الفصل العنصري في ستينيات القرن العشرين، لكن امتلاك السلاح كان قد استقر كأحد الخيوط العميقة في النسيج الثقافي ذاته، يتم اختراع التبريرات المختلفة لاستمراره، فهو يُبرر تارة بحماية الذات من الجريمة.

وهى قضية كثيرًا ما تحمل دلالات عنصرية تزعم زورًا أن القتَلة في أغلبهم من السود، ويبررونه تارة أخرى بممارسة رياضة القنص، التي لا تحتاج قطعًا إلى أسلحة أتوماتيكية منتشرة بأعداد مذهلة في بيوت الأمريكيين، وفى تارة ثالثة يُقال إن امتلاك السلاح ضروري لحماية الحريات من قيام حكومة جائرة على أساس أن هذا هو مقصد الدستور.

واليوم، ومع الصعود المتنامي لتيار التفوق الأبيض، ازداد بشكل مذهل عدد المنظمات، أو بتعبير الدستور نفسه، «الميليشيات» المُدجَّجة بشتى أنواع الأسلحة الخطرة. والسلطات لا تملك سوى مراقبة تلك التنظيمات، لا نزع سلاحها ولا عقابها، إلا فى صيغة «بعدما»، أي بعدما تكون قد ارتُكبت جريمة ما!، وقد رأينا أولئك المُدجَّجين بالسلاح بالصوت والصورة حين اقتحموا مبنى الكونغرس، العام الماضي، لمنع التصديق على انتخاب بايدن رئيسًا!

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، باحثة في الشأن الأمريكي

المصدر | المصري اليوم