الأربعاء 15 يونيو 2022 05:31 م

ماذا حدث في قمة الأمريكتين؟

الأولوية الأمريكية الأولى هي الصين حتى الاهتمام بأمريكا اللاتينية يأتي في هذا السياق فالصين نجحت في توثيق علاقتها بعدد كبير من دول الإقليم.

يتحتم تغيير سياسة الاستبعاد التي تطبق منذ قرون.. وتغيير الرغبة بالهيمنة واحترام استقلال الدول وسيادتها فلا يجوز أن تنعقد قمة الأمريكتين دون مشاركة كل دول القارة.

أعلنت أمريكا أنها لن تدعو فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا لأنها نظم «غير ديمقراطية» وقُوبل ذلك بعاصفة استهجان بين دول الإقليم فأعلن رئيس المكسيك أنه لن يحضر القمة.

أملت دول القارة أن تفتح القمة صفحة جديدة بعد سياسات ترامب التي أضرت بها لكن قرار استبعاد الدول الثلاث نكأ جراح ومعاناة أمريكا اللاتينية التاريخية طويلا من الهيمنة الأمريكية.

* * *

قمة دول الأمريكتين التي استضافتها الولايات المتحدة الأسبوع الماضى كانت تجسيدًا حيًا لسياساتها الداخلية والخارجية. فالصخب الذي أحاط بالقمة حتى قبل انعقادها مرده سياسة أمريكا الداخلية، ومجريات القمة ونتائجها تكشف عن أولويات سياستها الخارجية.

فقُبيل القمة، أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تدعو فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا لأنها نظم «غير ديمقراطية». وقد قُوبل الإعلان الأمريكي بعاصفة من الاستهجان بين باقي دول الإقليم، فأعلن رئيس المكسيك أنه لن يحضر القمة.

ولحق به رؤساء هندوراس وغواتيمالا وبوليفيا والسلفادور. فشاركت جميعها بوفود ذات تمثيل أقل. ومن بين الذين شاركوا، وجَّه رؤساء تشيلي وبيليز والأرجنتين والدومنيكان، في خطبهم الرسمية أمام المؤتمر الانتقادات العلنية لإصرار إدارة بايدن على استبعاد الدول الثلاث.

المفارقة أن الجدل الذي أثير حول قائمة المدعوين نسف فرص المؤتمر حتى قبل أن يبدأ. فحين أعلنت الولايات المتحدة العام الماضي استضافتها القمة، انعقدت الآمال بين دول القارة أن تفتح القمة صفحة جديدة بعد سياسات ترامب التي أضرت بها. لكن قرار استبعاد الدول الثلاث نكأ جراح أمريكا اللاتينية التاريخية التي عانت طويلًا من الهيمنة الأمريكية.

وهو ما قاله صراحة رئيس المكسيك في أسباب امتناعه عن الحضور، إذ أشار إلى أنه «يتحتم تغيير سياسة الاستبعاد التي تم تطبيقها لقرون.. وتغيير الرغبة في الهيمنة دون داعٍ، وينبغى احترام استقلال الدول وسيادتها، ولا يجوز أن تنعقد قمة للأمريكتين دون أن تكون كل دول القارة قادرة على المشاركة».

غير أن السبب الحقيقى لاستبعاد الدول الثلاث هو الدور القوى الذي يلعبه لوبى الأمريكيين من أصول كوبية وفنزويلية ونيكاراغوية، المناهضين لحكومات البلدان الثلاثة في عام انتخابات تشريعية.

ورغم أن الإدارة أكدت لدول الأمريكتين أنه «بغض النظر عن التطورات العالمية، ستظل الأمريكتان الأولوية بالنسبة للولايات المتحدة»، إلا أن الواقع غير ذلك. فالأولوية الأمريكية الأولى اليوم هي الصين. حتى الاهتمام بأمريكا اللاتينية صار يأتى في هذا السياق. فالصين نجحت خلال العقد الأخير في توثيق علاقتها بعدد كبير من دول الإقليم.

فهي قدمت مساعدات واستثمارات هائلة لتلك الدول خصوصًا في مجال البنية التحتية في إطار مشروع «الحزام والطريق». وقد رحبت دول أمريكا اللاتينية بالمبادرات الصينية، لأنها، أولًا، في حاجة ماسة لمثل تلك المشروعات، وثانيًا، لأن الولايات المتحدة بل والمؤسسات الدولية المانحة تفرض شروطها بينما لا تفرض الصين شروطًا سياسية. كما وجدت تلك الدول أن الوجود الصينى القوى في الإقليم من شأنه أن يُحدث توازنًا يخلصها من الهيمنة الأمريكية على مقدراتها.

ومن هنا، تسعى الولايات المتحدة لإثارة مخاوف دول الإقليم من الوجود الصيني وتهدف لاستعادة نفوذها. فهى كانت قد اعتبرت المنطقة مضمونة ومسلمًا بها ووجهت كل اهتمامها للشرق الأوسط ثم اليوم لآسيا. لكن اللافت أن ما قدمته الولايات المتحدة في القمة لدول الإقليم لا يرقى لحجم رغبتها في مواجهة الصين.

فهى قدمت مثلا مبادرة باستثمارات اقتصادية منقولة حرفيًا من مبادرتها التي قدمتها لدول آسيا حتى أنها أطلقت عليها الاسم نفسه تقريبًا! وفي الحالتين فإن المبادرة مجرد خطة أولية خالية من التفاصيل ولا تحتوى حتى على الحجم الكلى للإنفاق الأمريكى المرتقب. باختصار أمريكا تعانى ارتباكًا واضحًا. فهى تدرك جيدًا أن الصين هي التحدى الأهم الذي يواجهها. ولكنها لا تعرف، بالقدر نفسه، كيف تواجهها بالضبط!

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، باحثة في الشأن الأمريكي

المصدر | المصري اليوم