الاثنين 20 يونيو 2022 06:36 ص

السودان: المتظاهرون قتلة والعسكر ضحايا!

اتهم البرهان المتظاهرين في بلاده بـ"انتهاك السلمية" وزعم أن قوات الأمن لا تهاجم من يريد التعبير عن رأيه، وأنها لا تحمل الأسلحة، ولا تطارد المتظاهرين!

تتناقض تصريحات البرهان، جذريا، مع وقائع القتل والتعذيب والاغتصاب ضد المتظاهرين والمتظاهرات، وهي وقائع توثقها منظمات محلّية ذات مصداقية عالية.

سجلت لجنة أطباء السودان مقتل 106 متظاهرين منذ انقلاب العسكر بقيادة البرهان ونائبه حميدتي في 25 أكتوبر الماضي وتؤكده بيانات منظمات حقوقية عالمية.

يتجاهل البرهان الأحداث الفعلية وينكر مسؤولية العسكر عن الكارثة السياسية التي أدى إليها انفرادهم بالسلطة بعد انقلابها على حكومة عبد الله حمدوك، واعتبارها نوعا من «الكيد السياسي».

* * *

خطا رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» في السودان، عبد الفتاح البرهان، خطوة متقدّمة في باب البروباغاندا السياسية حين اتهم المتظاهرين في بلاده بـ"انتهاك السلمية"، وبالزعم أن قوات الأمن لا تهاجم من يريد التعبير عن رأيه، وأنها لا تحمل الأسلحة، ولا تطارد المتظاهرين.

تكتفي قوات الأمن، المؤتمرة بأمر المنظومة العسكرية الحاكمة في السودان، بـ"البقاء في مواقعها والمحافظة على ممتلكات الدولة"، على حد تعبير البرهان، في حوار تلفزيوني بثّ أمس على قناة «الحرة» الأمريكية.

تتناقض هذه التصريحات، جذريا، مع وقائع القتل والتعذيب والاغتصاب ضد المتظاهرين والمتظاهرات، وهي وقائع تقوم منظمات محلّية ذات مصداقية عالية، مثل لجنة الأطباء المركزية، التي سجّلت مقتل مئة وستة متظاهرين منذ يوم الانقلاب الذي قام به المكوّن العسكري الذي يرأسه البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (المشهور بحميدتي) في 25 تشرين أول/أكتوبر 2021، وتؤكده بيانات منظمات حقوق عالمية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية".

بعد هذه الأقوال التي تتجاهل الأحداث الفعلية وتنكر مسؤولية المنظومة العسكرية الأمنية عن الكارثة السياسية التي أدى إليها انفراد المكوّن العسكري بالسلطة بعد انقلابها على حكومة عبد الله حمدوك، واعتبارها نوعا من «الكيد السياسي»، يعترف البرهان، بشكل غير مباشر بتلك الوقائع، لكنه يستخدم أسلوبا قديما جديدا في التملّص من مسؤوليته الشخصية، وزملائه من طاقم الحكم العسكري عن وقائع القتل والقمع المستمرة يوميا، بالقول إن «المكوّن العسكري ليس له علاقة بهذه الأمور. هذه واجبات الأجهزة الشرطية والعدلية»!

تعني هذه التصريحات، فيما تعنيه، أن البرهان، وزملاءه في المكوّن العسكري، ضحايا مرّتين:

المرة الأولى حين يتم اتهامهم بالمسؤولية المباشرة عن قتل المتظاهرين، في حين أن أولئك المتظاهرين هم الذين «ينتهكون السلمية» ويهاجمون «القوى الأمنية» الذين يدافعون عن ممتلكات الدولة.

والمرة الثانية بتحميلهم مسؤولية ما تقوم بها «القوى الأمنية والعدلية»، التي يبدو أنها تخالف «التعليمات الواضحة» التي يعطيها الحكام العسكريون لها «بعدم حمل الأسلحة أو مطاردة المتظاهرين»!

المشكلة في السودان، حسب البرهان، هي خلاف في وجهات النظر، ففي حين يرى هو، وزملاؤه في المكوّن العسكري، أن سبب الأزمة هو «بعض قادة الأحزاب» الذين يعتقدون أن العسكريين هم سبب الأزمة. وبما أن هذا أمر «لا يمكن أن يحسمه جدل» فإن «الانتخابات هي الفيصل النهائي».

لا علاقة لما يحصل إذن بانقلاب المكوّن العسكري على قادة الانتفاضة السودانية ضد حكم الرئيس السابق عمر البشير، ولا بتنكّرهم للاتفاقات مع قادة الحراك المدني والنقابي والحزبي، ولا بمحاولات كسر الإرادة السياسية للشعب السوداني وممثليه المدنيين، ولا بالفساد والاستبداد وصفقات الذهب وجرائم ميليشيات النظام في دارفور والأقاليم السودانية الأخرى، ولا في التطبيع الأمني البائس مع إسرائيل.

البرهان، حسب تصريحاته، شخص يسعى لإقرار الديمقراطية، ويوجّه أوامر بالحفاظ على ممتلكات الدولة، ويواجه متظاهرين عنيفين يحاولون التعدي على أملاك الدولة، ولكنه لا يتحمل مسؤولية الدماء التي تسيل في الشوارع، وجرائم الاغتصاب ضد المتظاهرات، وعمليات التعذيب في أقبية السجون فقد وجّه «تعليمات» للأجهزة الأمنية والعدلية، وإذا لم تتقيد بتلك الأوامر والتعليمات، فتلك مسؤوليتها، لا مسؤوليته هو!

المصدر | القدس العربية