الاثنين 4 يوليو 2022 03:06 م

نظريات التضخم و«سخونة» الاقتصاد

كيف ننتقل من «اقتصاد ساخن يتسبب في ارتفاع الأسعار» إلى «اقتصاد ساخن يتسبب في تضخم مستمر»؟

هل مقدر علينا سنوات من البطالة المرتفعة وأننا عدنا إلى تضخم سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي؟

وهل أنه لتقليص التضخم يتعين علينا اجتياز فترة طويلة من البطالة أعلى بكثير من معدل التضخم غير المتسارع للبطالة؟

هل يؤدي اقتصاد متضخم لمستوى أسعار أعلى؟ أم يؤدي لارتفاع معدل تغير الأسعار أي إلى تضخم مستمر؟ أو تسارع التضخم، أي إيقاع أعلى في معدل التغير؟

* * *

إنها حقيقة معترف بها عالمياً، أو على الأقل حقيقة يعترف بها كل شخص أعرفه مهتم بالاقتصاد، ومفادها أن الاقتصاد المتضخم يؤدي إلى ارتفاع الأجور والأسعار. فحين يكون الطلب على العمالة قوياً، يستطيع العمال المطالبة برفع الأجور، ومع قوة الطلب على السلع والخدمات، تتمتع الشركات بـ«سلطة التسعير» أو القدرة على رفع الأسعار دون خسارة العملاء.

لكن هل يؤدي الاقتصاد المتضخم إلى مستوى أعلى من الأسعار؟ أم يؤدي إلى ارتفاع معدل التغيير في الأسعار، أي إلى تضخم مستمر؟ أو ربما حتى تسارع التضخم، أي إيقاع أعلى في معدل التغيير؟

وربما تبدو هذه أسئلة غامضة، لكنها ليست كذلك. بل على العكس، كانت في كثير من الأحيان في لب المناقشات حول السياسات الاقتصادية، وهي في الواقع، محورية في النقاش الحالي. لكني لست متأكداً من أن كل من يكتب عن الاقتصاد يستوعب الآن هذه الفروق.

كما أنني لست متأكداً من أن جميع علماء الاقتصاد الكلي الأكاديميين على دراية كاملة بتاريخ هذه الأسئلة أو بأهميتها. فالكثير من علم الاقتصاد الكلي الأكاديمي الحديث (في مقابل تحليل السياسات) ينتهي بدراسة نماذج التوازن العام الديناميكي العشوائي (ولا تسأل عما يعنيه هذا) وهذه تتخلص بطريقة ما من القضية برمتها.

ولذلك اعتقدت أنني سأتحدث عما يفعله الاقتصاد الساخن للتضخم - وعلى وجه الخصوص، حول كيفية تغير كل من الأدلة والآراء الشائعة حول هذه العلاقة بمرور الوقت.

إنها بصراحة قصة ليست مشجعة جداً لأولئك الذين يريدون التفكير في الاقتصاد كعلم. وأنبه هنا الزملاء المتخصصين أنني لا أنتوي أن يكون هذا المقال ورقة بحثية. صحيح أنني أقدم بعض البيانات، لكن لأغراض توضيحية فقط، وليس كجزء من تحليل تجريبي جاد.

ففي البداية، كان منحنى إجمالي العرض - علاقة يفترض أنها صاعدة إلى أعلى بين الإنتاج ومستوى السعر الإجمالي، أو بشكل مكافئ إلى حد ما، علاقة منحدرة إلى أسفل بين البطالة والأسعار. وأعني بعبارة «في البداية»، أي عند جون ماينارد كينز.

وهذا اتضح في بيانات عصر الكساد. فقد تراجعت الأسعار الإجمالية حين انغمس الاقتصاد الأميركي في الكساد، وارتفعت مرة أخرى مع تعافي الاقتصاد، ثم تراجعت مرة أخرى مع انتكاس الاقتصاد عام 1937.

لكن في عام 1958، أشار الخبير الاقتصادي أيه. دبليو. فيليبس إلى وجود علاقة تاريخية بين البطالة ومعدل التغيير في الأجور (في مقابل مستواها).

وسرعان ما تمت إعادة تفسير هذا بعمومية أكبر على ما نسميه الآن منحنى فيليبس، وهي علاقة بين البطالة والتضخم، وكان هذا مقبولاً إلى حد كبير فيما يبدو في ستينيات القرن الماضي.

فكيف ننتقل من «اقتصاد ساخن يتسبب في ارتفاع الأسعار» إلى «اقتصاد ساخن يتسبب في تضخم مستمر»؟ إنها مسألة حرجة بعض الشيء، وهو أمر يتضح بشكل خاص حين يشارك المرء في تأليف كتاب مدرسي لتعليم الاقتصاد. لكن هناك مناقشة مستبصرة لهذا الانتقال في ورقة بحثية كلاسيكية لعام 1968 لإدموند فيليبس.

وودت لو كان بوسعي التوصية بها للقراء، لكني لسوء الحظ، لا أستطيع، أو على الأقل لا أستطيع القيام بهذا مخلصاً. فمن الصعب للغاية فك طلاسم الدراسة، حتى بالنسبة للاقتصاديين المحترفين.

وهذا مؤسف، لأني أعتقد أن تحليل فيليبس للتضخم كان أكثر واقعية إلى حد كبير من تحليل ميلتون فريدمان الذي توصل في الفترة نفسها وبشكل مستقل إلى النتيجة نفسها تقريباً، ومفادها أن منحنى إيه دبليو فيليبس لن يثبت أنه علاقة مستقرة.

وما جادل به كلا الاقتصاديين هو أن التضخم المستدام يصبح «كامناً» في تحديد الأجور والأسعار، لذا فمحاولة إبقاء البطالة منخفضة لن تتطلب تضخماً مرتفعاً فحسب، بل متسارعاً دائماً. وفي عصر الركود التضخمي تم إثبات هذا الادعاء الذي تم تقديمه في وقت كان فيه منحنى فيليبس التقليدي ما زال مقبولاً إلى حد كبير فيما يبدو.

فمنذ عام 1970 حتى وقت ما في ثمانينيات القرن الماضي، بدت البطالة كما لو أنها لا تقرر معدل التضخم لكن معدل التغيير في التضخم، وهي علاقة توصف أحياناً بأنها منحنى فيليبس «التسارعي».

وفكرة منحنى فيليبس التسارعي هو ما يقوم عليه مفهوم «معدل التضخم غير المتسارع للبطالة»، أي معدل البطالة الذي يكون فيه التضخم مستقراً، أي لا يرتفع ولا ينخفض. وهذا المفهوم يمثل عنصراً أساسياً في التحليل العملي للسياسات، لدرجة أن مكتب الميزانية في الكونغرس ينشر بانتظام تقديرات معدل التضخم غير المتسارع للبطالة، رغم أنه يطلق عليه هذه الأيام معدل البطالة غير الدوري. ولكن حدث شيء طريف لمنحنى فيليبس بعد انحسار التضخم في الثمانينيات.

فلم يعد يبدو المنحنى متسارعاً. والواقع، إنه في العقدين السابقين للجائحة، أظهر الاقتصاد الأميركي شيئاً بدا وكأنه نسخة (ضعيفة) من منحنى فيليبس القديم، مع وجود ارتباط بين البطالة ومعدل التضخم، وليس التغيير في معدل التضخم. فماذا حدث؟ التفسير الأكثر شيوعاً هو أنه بعد فترة طويلة من التضخم المنخفض، أصبحت التوقعات «مستقرة». فالأشخاص الذين يحددون الأجور والأسعار يفعلون ذلك اعتقاداً منهم أن التضخم في المستقبل سيدور حول 2%، ولم يتم مقابلة هذا الاعتقاد بأحدث أرقام التضخم.

وهذا يقودنا إلى مناقشة السياسات الحالية. فالمتشائمون الذين يصرون على أننا مقدر علينا سنوات من البطالة المرتفعة يؤكدون أساساً أننا عدنا إلى بيئة التضخم في سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، وأن التوقعات لم تتحقق، وأنه لتقليص التضخم يتعين علينا اجتياز فترة طويلة من البطالة أعلى بكثير من معدل التضخم غير المتسارع للبطالة.

وأنا لا أوافق على هذا. فحين ألقي نظرة على المقاييس المختلفة لتوقعات التضخم على المدى المتوسط، فإنها ما زالت تبدو ثابتة بالنسبة لي.

لكنني بالطبع قد أكون مخطئاً، فالتاريخ القصير للتنظير في التضخم الذي سردته للتو لا يوحي بالكثير من الثقة في أن أياً منا يستوعب جيداً العلاقة بين السخونة (أو البرودة) الاقتصادية والأسعار. لكن النقطة التي أريد توضيحها هي أننا بحاجة إلى نظرية.

والأدلة قوية إلى حد ما على أن الاقتصاد الأميركي يمر حالياً بحالة سخونة ويحتاج إلى تبريد. لكن مقدار التبريد الذي يحتاجه ليس مسألة يمكن حسمها دون تحديد نوع عملية التضخم التي نعتقد أنها دائرة حالياً.

* د. بول كروغمان أكاديمي أميركي حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.

المصدر | الاتحاد