الخميس 7 يوليو 2022 05:47 ص

نظام عالمي جديد يتشكَّل

حرب أوكرانيا الحالية ليست سوى صراع دولي عملاق سينتهي برسم ملامح جديدة للعالم، وسيُنهي نظام القطب الواحد والهيمنة الأمريكية.

النظام العالمي الجديد يتجه لإنهاء الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم والتفرد باللعب على الساحة الدولية، وهي الحالة المستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

اليوم التالي لانتهاء حرب أوكرانيا ليس كاليوم الذي سبقها ولن يكون كذلك أي أن الوضع العالمي الذي سبق الحرب لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه بعدها.

العالم يشهد ولادة نظام دولي جديد بمواصفات وملامح جديدة وتحول اقتصادي يشهده العالم، ونظام اقتصادي جديد يتشكل بعد عقوبات الغرب الاقتصادية على روسيا

ربما تنجح مساعي إنهاء هيمنة الدولار التي هي أداة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وبالتالي نُصبح أمام نظام جديد تماما من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية.

* * *

الأحداث الكبرى التي يشهدها العالم حالياً، وفي مقدمتها حرب أوكرانيا والتمرد على بعض السياسات الأمريكية، إنما هي تفاعلات لتشكل نظام عالمي جديد.

إذ أنَّ المؤكد أنَّ اليوم التالي لانتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ليس كاليوم الذي سبقها ولن يكون كذلك، أي أن الوضع العالمي الذي سبق الحرب لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه بعدها.

النظام العالمي الجديد يتجه إلى إنهاء مرحلة الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم والتفرد باللعب على الساحة الدولية، وهي الحالة المستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهذا ما عبَّر عنه صراحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الأيام الأولى للحرب عندما أشار بوضوح إلى أنَّ عصر القطب الواحد قد انتهى، وأن عالم ما بعد غزو أوكرانيا لن يكون كما قبله.

ما يحدث في العالم هو أنَّ الولايات المتحدة تنكفئ على الساحة الدولية منذ سنوات، وهيمنتها تتراجع منذ فترة طويلة، وليس فقط منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، وربما يكون هذا الانكفاء الأمريكي هو الذي أغرى موسكو أصلاً أن تقوم بهذا الغزو.

وقد تجلى هذا الانكفاء بشكل واضح في الشرق الأوسط، خاصة بالانسحاب الأمريكي من العراق والحلول الإيراني مكانه، وكذلك التدخل الروسي في سوريا، وكذا الموقف الأمريكي من ثورات الربيع العربي، وتخلي واشنطن عن بعض حلفائها (وربما عملائها) في المنطقة.

وإلى جانب الانكفاء الأمريكي سياسيا وعسكريا على الساحة الدولية فثمة ما هو أهم، وهو التحول الاقتصادي الذي يشهده العالم، إذ يبدو أن نظاماً اقتصادياً جديداً سيتشكل بعد العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا، إذ تطمح أوروبا الى التخلي عن غاز روسيا ونفطها خلال سنوات قليلة.

وبدأت بالفعل في اللجوء إلى مصادر بديلة لهذه السلع الأساسية، ولكن في الوقت ذاته فإن الدول الكبرى المنافسة للولايات المتحدة بدأت تحاول كسر هيمنة الدولار الأمريكي على الأسواق العالمية.

ونشر موقع «بزنس إنسايدر» الأمريكي المتخصص برصد الأخبار الاقتصادية تقريراً مؤخراً تحدث فيه بوضوح عن أن الصين ضاعفت في الفترة الأخيرة محاولاتها لكسر هيمنة الدولار على التجارة العالمية.

كما كشف الرئيس بوتين مؤخراً أن تحالف بريكس الذي يضم الصين والهند وروسيا والبرازيل والهند وجنوب افريقيا، يعمل حالياً على إنشاء «عملة احتياط دولية تعتمد على سلة من عملات دول التحالف»، مما يعني بالضرورة، أن ثمة تحالفا دوليا، أو معسكرا دوليا اقتصاديا جديدا يتشكل ويرغب في إنهاء هيمنة الدولار على العالم.

كما قالت الصين مؤخراً إنها ستبني احتياطيا جديدا لليوان، إلى جانب هونغ كونغ وسنغافورة وثلاث دول أخرى، حيث تساهم كل منها بنحو 2.2 مليار دولار.

وذلك في محاولة لفرض عملتها على تداولات النفط في العالم، أو على الأقل لفرضها على بعض التداولات والصفقات، وبالتالي إنهاء احتكار الدولار لعمليات التجارة الدولية الكبرى.

والخلاصة هو أنَّ العالم يشهد اليوم ولادة نظام دولي جديد بمواصفات وملامح ومزايا جديدة ومختلفة عن السابق، ويبدو أن الحرب الحالية في أوكرانيا ليست سوى صراع دولي عملاق سوف ينتهي برسم ملامح جديدة للعالم.

وسوف يُنهي نظام القطب الواحد والهيمنة الأمريكية، وربما تنجح أيضاً مساعي إنهاء هيمنة الدولار التي هي أداة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وبالتالي نُصبح أمام نظام جديد بشكل كامل من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية.

كما أنَّ الحديث عن توسعة حلف شمال الأطلسي «الناتو» يصبُ في هذا الاتجاه ويعني بالضرورة أنَّ انعكاسات الغزو الروسي لأوكرانيا ستكون كبيرة وستشمل العالم بأكمله.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي