الخميس 14 يوليو 2022 01:17 م

على غلاف الإيكونوميست.. سقوط المهرج

بقيت دول أوروبا مقتنعة أن الصين ما تزال في نظر المؤسسات الأوروبية منافسا اقتصاديا ولا تهدد بأي درجة كبيرة أو مباشرة أمن أوروبا.

تعليقات محللين غربيين كبار تنعى سوء أداء وقلة حرفية وتخبط بعض المسئولين الغربيين ومنهم بوريس جونسون وعدد من كبار مساعدى بايدن.

في مطلع أزمة أوكرانيا بدا أن العالم ينجر جرا نحو كارثة إذا لم يبطل فورا مفعولها، خرجت الكارثة من رحم فكرة سيئة أو اجتهاد محفوف بالشر.

أغلب قيادات أوروبا صارت تفكر في أن أمن أوروبا وبخاصة الأمن الاقتصادي والعسكري لا يجوز أن يستمر معتمدا على أمريكا خاصة وحلف الناتو عامة.

الانحدار الأمريكي مطلق بمعنى أن الخلل مصدره أمريكي وأنه تجذر بالفعل أما النسبى فبمعنى مقارنته بصعود الصين واسترداد روسيا المتدرج لما فقدت كقطب دولي.

أمريكا نفسها وقد تولت قيادة فريق الناتو المناهض لروسيا لم تحسب حجم الأضرار التي ستعود عليها هي نفسها وعلى الدول ذات «الاقتصادات الحرجة» مثل ألمانيا.

غلاف الإيكونوميست، غلاف تزينه أو تقبحه صورة بوريس جونسون يتقافز فرحا مهللا ومزدانا بعلم بريطانيا العظمى وبعنوان رائع الصياغة، بالغ الدلالة؛ اختاره المحررون لحقبة كاملة من هيمنة الغرب..

العولمة التي كانت إنجازاتها على كل لسان وقلم وشهدنا انطلاقاتها هي تنحسر الآن وتتعرض لحملات شرسة بأنها وراء نهضة الصين اقتصاديا ومحرك صعودها إلى القمة الدولية.

لم يكن صعود الصين اقتصاديا سوى سبب غير مباشر لانحدار المكانة الأمريكية. كان عنصرا كاشفا وبالتأكيد كانت بعيدة عن الأسباب المباشرة لأزمة 2008 المالية الأمريكية والعالمية.

* * *

توقفت طويلا أمام غلاف عدد الأسبوع الماضي من مجلة الإيكونوميست. لا أذكر أنني توقفت أمام غلاف مجلة وقورة وواسعة الانتشار لمدة طويلة مثل المدة التي قضيتها ثابت النظرة مثارا بالإعجاب أمام هذا الغلاف. تذكرت أيام بدء انبهاري بالسياسة والصحافة السياسية. كانت لي وقفاتي المطولة أمام «فرشات» الصحف الأشهر في ذلك الحين.

إن نسيت لن أنسى فرشة ميدان لاظوغلي، الفرشة التي كانت تخرج منها صحف الصباح ومجلات الأسبوع لتصطف على دواسة بيتنا. هناك كنت أجمع بعض ما فات على صاحب الفرشة جمعه وإرساله من مجلات ومطبوعات أحمله معى لقراءته في الطريق إلى جامعة القاهرة أو إلى جاردن سيتي حيث مقر عملي المؤقت بالمكتبة الأجنبية.

وبطبيعة الحال لن أنسى الفرشات الثلاث للصحف في شارع فؤاد الأول بالزمالك عند تقاطعه بشارع البرازيل، ولم نكن تعودنا على النطق بالأسماء الجديدة لشوارع القاهرة.

كانت هناك أيضا في وسط البلد فرشة الصحف الشهيرة في ميدان سليمان باشا على ناصية شارع قصر النيل وأخرى على ناصية شارع سليمان باشا للقادمين من ميدان الإسماعيلية أي التحرير في التسمية الجديدة.

* * *

عن غير قصد تجاوزت هذه المقدمة الحد الذي قدرته لها قبل أن أشرع في الكتابة عن تطورات تسبق نهاية أزمة دولية. أزمة بدأت محاطة بشكوك في صدقية ونوايا كل أطرافها وتدهورت نحو أوضاع هزلية.

كادت هذه الأوضاع تشمل العالم بأسره بما فيه شرقنا الأوسط أو الأدنى أو الأبعد حسب مسمياته المستجدة باستمرار، حتى صار الشرق الأوسط مضغة في كل الأفواه ولازمة لكل قلم يكتب في السياسة.

نحن أيضا كتبنا ولم يكن في حسباننا أن ما نكتبه سيتحقق، أو لابد أن يتحقق. أصدقاء وزملاء كثيرون كتبوا ويكتبون لأن أمرا ما في مجال اهتمامهم ينذر بتطور وخيم إن صدقت توقعاتهم وتحليلاتهم. أو كتبوا ويكتبون لأن أمرا ما فى مجال اهتمامهم يبشر بتطور طيب إن توافقت التوقعات والتحليلات مع ما تيسر لهم من معلومات حقيقية عادة ما تكون نادرة.

* * *

في مطلع الأزمة العالمية الراهنة، أزمة أوكرانيا، كتبت وكتب آخرون يحذرون من أن العالم ينجر جرا نحو كارثة إذا لم يبطل فورا مفعولها. خرجت الكارثة من رحم فكرة سيئة أو نبتة شيطانية أو اجتهاد محفوف بالشر.

كان الاحتمال كبيرا أن تتفاقم الفكرة فتصير مشروعا خبيثا للتدمير ويصير الاجتهاد استراتيجية وأحلافا وحلفاء وخصوما وأعداء وأسلحة تتدفق بدون حساب وأموال معونات، بعضها في انتظار بيوت آمنة يستقر فيها إلى حين غير معلوم.

قبل انطلاق الأزمة شهد العالم أوضاعا عالمية كثيرة تتحرك في اتجاه الفشل أو خيبات الأمل وبعضها انتهى بالسقوط، وفى حالات بعينها كان السقوط مدويا. العولمة التي كانت أساطيرها على كل لسان وإنجازاتها على كل قلم كنا شهودا على انطلاقاتها. رأيناها تنحسر.

عشنا لنراها تتعرض لحملات شرسة ومنها الاتهام بأنها وراء نهضة الصين الاقتصادية ومحرك صعودها على طريق القمة الدولية.

ربما كانوا على حق، لكن لم يكن صعود الصين اقتصاديا سوى سبب غير المباشر في انحدار المكانة الأمريكية. كان عنصرا كاشفا بين عناصر كثيرة. بالتأكيد كانت بعيدة عن الأسباب المباشرة لأزمة 2008 المالية الأمريكية والعالمية.

وبالتأكيد أيضا كانت في قلب الأسئلة الباحثة عن تفسير مقنع لسرعة انحدار أمريكا وهى ما تزال تحتل وضع القطب الأعظم في نظام دولي أحادي القطبية.

فشلت في صنع سلام إقليمي في الشرق الأوسط وتصرفت تصرف الدول الخارجة عن القانون وعن النضج بتمردها المعلن على قواعد نظام دولي هي تقوده وبتدخلها المخزي في العراق.

وفشلها المتكرر، أو المتعمد، في تحريك قضية فلسطين باتجاه يناسب تطلعات أغلبية أهل الشرق الأوسط. لم نعد نحن أهل القضية نهتم بهوية ساكن البيت الأبيض، فكلهم في هذه القضية سواء في القيمة وفى الدور وفى النتيجة.

* * *

يستمر الانحدار الأمريكي المطلق كما وصفه الرئيس ترامب أو النسبى كما اعتبره بعض علماء العلاقات الدولية. الانحدار الأمريكي مطلق بمعنى أن الخلل مصدره أمريكي وأنه تجذر بالفعل. أما النسبى فبمعنى مقارنته بصعود الصين المتوالي والاسترداد المتدرج من جانب روسيا لبعض ما فقدت من مكانة القطب الدولي ومعظم نفوذه.

خلصنا من تجارب عديدة إلى أن الانحدار مستمر ومنها قمة الأمريكتين الفاشلة التى انعقدت فى لوس أنجيليس الأمريكية، ونخلص الآن من آخر مراحل التجربة الأوكرانية إلى أن أمريكا ليست في أحسن حالاتها، بل وأن فرصها لاستعادة وضعها ليست عديدة أو مبشرة، على عكس ما تردده من أنها والغرب حققا إنجازات مهمة ومنها:

1. أعادت للغرب وحدته، فالدول الأوروبية صارت تتنافس فيما بينها على تقديم السلاح لأوكرانيا لتستمر في الحرب.

2. دفعت دولا أكثر للانضمام لحلف الناتو بمحض اختيارها وليس تحت أي نوع من الابتزاز أو الاستفزاز.

3. رغم كل القلق المحيط بالعلاقات بين الصين والغرب لم تتدخل الصين في الأزمة عسكريا بشكل يهدد الموقف الغربي في الأزمة.

4. لم تعترض دولة غربية اعتراضا حادا على قسوة العقوبات التى فرضتها واشنطن على روسيا والمتعاملين معها.

* * *

واقع الأمر يفرض إدراكا آخر لنتائج الأزمة مختلفا عن إدراك واشنطن ولندن أو ما تحاولان الزعم بأنه حقيقة مطلقة. يعرض هذا الواقع خلاصات ونتائج مختلفة منها على سبيل المثال:

أولا، الغرب ليس موحدا كما تود أمريكا أن تقنع العالم. صحيح أن فعل روسيا البشع في أوكرانيا أقنع كثيرا من قيادات أوروبا بجدوى الاستعداد أمنيا لاحتمالات تكرار الفعل الروسي ضدها أو ضد دول ودويلات مجاورة، ولكن الصحيح أيضا هو أن أغلب هذه القيادات صارت تفكر في أن أمن أوروبا وبخاصة الأمن الاقتصادي والعسكري لا يجوز أن يستمر معتمدا على أمريكا خاصة وحلف الناتو عامة.

ثانيا، لم تثمر الحملة الأمريكية السياسية والإعلامية المستمرة ضد الصين منذ عهد ترامب ما هدفت إليه وبخاصة إشعال موجات عداء أو خصومات جديدة بين أوروبا والصين. بقيت دول أوروبا مقتنعة أن الصين ما تزال في نظر المؤسسات الأوروبية منافسا اقتصاديا ولا تهدد بأي درجة كبيرة أو مباشرة أمن أوروبا.

ثالثا، تفاقمت إلى حدود قصوى أزمات الجوع بسبب تعطل واردات الحبوب والزيوت من أوكرانيا وروسيا وبسبب رداءة قرار العقوبات. كان صحيحا ومنطقيا تحميل المسئولية لروسيا وكان ضروريا في مرحلة تالية تحميل أمريكا جانبا منها خاصة بعد أن اتضح أنها لم تستعد بالدرجة المناسبة لاحتمالات تطور تداعيات اتساع دائرة القتال على حدود روسيا والحصار الاقتصادي في البحر الأسود.

رابعا، لست أشك للحظة واحدة في صحة الرأي السائد والقائل بأن أمريكا لم تحسب كعادتها النتائج غير المباشرة للحرب الاقتصادية التي فرضتها على روسيا والدول التي تتعاون معها. كثيرون يعتقدون، وأنا منهم، أن أمريكا نفسها وقد تولت قيادة فريق الناتو المناهض لروسيا لم تحسب حجم الأضرار التي ستعود عليها هي نفسها وعلى الدول ذات «الاقتصادات الحرجة» مثل ألمانيا ودول كثيرة في العالم النامي جراء تطبيق هذه العقوبات.

ظهر واضحا، أو لعله انكشف كغيره من أمور تتعلق بهذه الحرب وتداعياتها المخططة سلفا، أن عوارا شديدا فى تشكيل وأداء مجموعة صنع القرار الخاص بالحرب تسبب في أخطاء جسيمة يدفع الحلفاء ثمنها باهظا.

لم يكن مفاجئا صدور تعليقات من محللين غربيين كبار تنعى سوء أداء وقلة حرفية وتخبط بعض المسئولين الغربيين ومنهم بوريس جونسون وعدد من كبار مساعدى الرئيس بايدن. أضف مسؤولية الرئيس الأمريكي شخصيا وغياب نائب للرئيس أقدر من النائب الحالي على تحمل مصاعب إدارة أزمة على هذه الدرجة من الحدة.

خامسا، الآن وبعد كل ما تعرض له العالم من خسائر وهزات يقولون في دوائر الاتحاد الأوروبي أن الطريق لانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي ليست ممهدة بل شاقة وصعبة لسبب بسيط وخطير معا، هو أن النظام الأوكراني فاسد إلى حدود رهيبة تكاد تستعصى على أي جهود سياسية تبذل في هذا الصدد، وليس غائبا عن ذاكرتنا ما كان يجهر به علنا وسرا الرئيس دونالد ترامب عن فساد قادة كييف والمتعاونين معهم من ذوى الصلة بقيادات بعينها في الحزب الديموقراطي الأمريكي.

سئلت في الأسابيع الأخيرة أكثر من مرة عن شعوري تجاه هذا الفشل المركب وتجاه أداء تنقصه الحكمة التي لا بد تراكمت في نخب السياسة الغربية. لم أجد إجابة شافية واحدة تعبر عن حجم الغضب في نفسى على قدر الكذب وأنواع التقافز والتهريج وهيمنة الهزل الذي تسرب إلى الخطاب السياسي الغربي خلال حملة الغزو الروسي لأوكرانيا، وعلى قصص بطولة جنود أوكرانيين مختلطة للأسف بقصص ميليشيات مدفوعة الأجر جاءت لتتحارب فيما بينها على هذه الأرض، أرض أوكرانيا.

* * *

في النهاية وعلى رصيف شارع من أهم شوارع القاهرة وقفت حزينا أمام غلاف آخر عدد من أعداد الإيكونوميست، غلاف تزينه أو تقبحه صورة بوريس جونسون يتقافز فرحا مهللا ومزدانا بعلم إمبراطورية بريطانيا العظمى وتحت عنوان رائع الصياغة، بالغ الدلالة؛ اختاره المحررون لا لعدد بذاته ولكن لحقبة كاملة من هيمنة الغرب.. اسمحوا لي باستعارته بتصرف، سقوط التهريج والمهرج، عنوانا لهذا المقال الذي شرفت بكتابته.

* جميل مطر كاتب ومفكر سياسي، دبلوماسي مصري سابق.

المصدر | الشروق