السبت 23 يوليو 2022 06:44 ص

ماذا عن وحدة الفعل العربي؟

أهم نتائج زيارة بايدن أنه إذا تحققت وحدة مجموعة صغيرة من الأقطار العربية، فإن الإرادة السياسية القومية تبدأ بالتعبير عن نفسها، حتى لو بصورة متواضعة.

الوحدة العربية في قلب حربنا مع الاستعمار الغربي الصهيوني الذي أنهكنا ومزقنا ودمر مدننا وأوصل ملاييننا لمنافي الهجرة والضياع والموت غرقاً في البحار.

ليست معاركنا ثأرية في نوع المصافحات أو عرض الابتسامات، وليست مشكلتنا في مقدار الفراغ الذي سيحدثه الانسحاب الأمريكي مما يسميه الشرق الأوسط.

كل حديث أو ادعاء عن قدرة هذا القطر العربي أو ذاك، مهما كانت ثروته، أو كان حجمه وتعداد سكانه، ادعاء تدحضه عشرات الأسباب وعشرات التجارب التاريخية.

إن أردنا كسب الحرب الشاملة، نحتاج للانتقال إلى إرادة الفعل العربية: تخطيطاً وتوحيداً تدريجياً تراكمياً، وتنفيذاً مشتركاً يعلو على المصالح الجزئية والسيادة القطرية المفتعلة.

* * *

أهم ما تحقق أثناء زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة، بالنسبة لنا كعرب وليس كما تلوكه ألسن وسائل الإعلام الأمريكية الرسمية، أو حتى تدعيه وسائل الإعلام اليمينية الصهيونية، هو أنه إذا تحققت وحدة/ مجموعة صغيرة من الأقطار العربية، فإن الإرادة السياسية القومية تبدأ بالتعبير عن نفسها، حتى لو بصورة متواضعة.

في هذه المرة كانت الإرادة لفظية، بمعنى أنها لم تقبل التعبيرات السياسية التي تبجح بايدن أمام جمهوره بأنه سيفرض قبولها، لا من قبل الأطراف المجتمعة في جدة فقط، وإنما أيضاً توسعة قبولها من قبل أقطار عربية لم تُدعَ إلى ذلك الاجتماع، تمهيداً لقبولها مستقبلاً من قبل الشعوب العربية، كتعابير ثقافية سياسية حديثة تحل محل الكثير من التعابير القومية العروبية، والكثير من شعارات الجماهير التي رددتها عبر عشرات السنين، حناجر الملايين من أبناء الأمة العربية… شعارات مناهضة لأي وجود أو تطبيع مع القوى الاستعمارية ـ الصهيونية في أي شبر من وطن العرب برمته.

نحن هنا لن نكون معنيين بقبول، أو رفض أو نقد ذلك الفيض الهائل مما قيل أو كتب بشأن مدح ذلك المشهد، أو ذم ذلك التعبير، فهذه وتلك جزئيات لن تقدم أو تؤخر بالنسبة للجحيم الذي تعيشه حالياً أمتنا العربية.

فليست معاركنا ثأرية في نوع المصافحات أو عرض الابتسامات، وليست مشكلتنا في مقدار الفراغ الذي سيحدثه الانسحاب الأمريكي مما يسميه الشرق الأوسط، وليست مهمتنا القومية في تخفيض أسعار الطاقة في بلدان أوروبا.

إنما مهمتنا أن نكسب الحرب، وليست المعارك المتناثرة المؤقتة التي تؤدي بصورة قاطعة ونهائية إلى دحر العدوان الاستعماري، الذي شنته أمريكا على الأقصى عبر عشرات السنين من أجل منع قيام وحدتنا العربية الشاملة، أو من أجل استغلالنا اقتصادياً حتى نخاع العظم، ومن أجل إبقائنا ضعفاء عسكرياً، ومن أجل إبقائنا في صراع طائفي وقبلي عبثي دائم!

وبالتالي من أجل إبقائنا متخلفين علمياً وتكنولوجياً، وبالطبع إلى دحر الأداة الوظيفية الصهيونية التي تنفذ تلك الأهداف والرغبات الأمريكية من أجل نفسها وأحلامها وأساطيرها، ومن أجل الحصول على مليارات الدولارات الأمريكية.

كسب تلك المعركة منذ بضعة أيام من خلال توحيد الإرادة اللفظية يحتاج إذن، إن أردنا كسب الحرب الشاملة، إلى الانتقال إلى إرادة الفعل العربية: تخطيطاً وتوحيداً تدريجياً تراكمياً، وتنفيذاً مشتركاً يعلو على المصالح الجزئية والسيادة القطرية المفتعلة في حقول الاقتصاد والمال والسياسة القومية المستقلة، وفي حقول الصناعة والزراعة والخدمات الاجتماعية.

قائمة طويلة ليس مجال ذكرها هنا، كل حديث أو ادعاء عن قدرة هذا القطر العربي أو ذاك، مهما كانت ثروته، أو كان حجمه أو كان تعداد سكانه، هو حديث وادعاء تدحضه عشرات الأسباب وعشرات التجارب التاريخية في شتى أرجاء المعمورة، وفي كل حديث عن الأهمية القصوى والفاعلية القومية للتجميع والتوحيد تثبته تجارب التجميع والتوحيد في قارات أمريكا وأوروبا وآسيا، حيث قامت وحدات أو تجمعات قادت إلى المنعة والتقدم.

لنحاول تصور الولايات المتحدة وهي عبارة عن 50 قطرا بدلاً من وحدتها الفيدرالية، ولنتصور أوروبا وهي عبارة عن 27 قطرا بدلاً من وحدتها الاقتصادية والأمنية والسياسية الجزئية، ولنتصور روسيا أو الصين أو افريقيا الجنوبية، أو البرازيل أو الهند، من دون تكتلهم في تشابك وتعاضد اقتصادي مشترك. لنحاول فعل ذلك لنرى مقدار ضعف وضياع وعدم استقلال كل وحدة من تلك التجمعات، وبالتالي مقدار تخلفها في كثير من مناحي الحياة.

موضوع الوحدة العربية إذن هو في قلب كسب حربنا مع الاستعمار الغربي ـ الصهيوني الذي أنهكنا ومزقنا ودمر مدننا وأوصل ملاييننا إلى منافي الهجرة والضياع والموت غرقاً في البحار.

ومن يريد أن يرشح نفسه أو قطره لقيادة أمته في أتون تلك الحرب، التي قد تحتاج إلى خوض عشرات المعارك قبل ربحها، فعليه أن يقبل بحمل مسؤولية ذلك السلاح القومي العروبي الفعال فكراً وثقافة جماهيرية وشعارات سياسية رسمية وشعبية وتحريكاً لقوى كل المؤسسات الإقليمية القومية، كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والمجالس الوحدوية في الخليج العربي والمغرب العربي. إنها سلاح مطلوب لخوض حرب وجود.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق