الأردن حين يصبح بلداً "طارداً" لأبنائه!

قائمة الراغبين بالهجرة من أوطانهم يتصدرها الأردن، وهي من بين القوائم والمؤشرات القليلة على أية حال التي يتصدرها.

كم "ناقوس خطر" يتعين قرعه وكم جهة يتعين عليها قرعه حتى تنتبه الدولة ومؤسساتها والحكومة لما يقلق الناس ولا يبقيهم في الأرض؟

"الأردنيين ليسوا بخير" إذ تُبرز نتائج استطلاعات متعاقبة ظواهر مقلقة في بنية المجتمع الفكرية والنفسية وتضرب بقسوة العلاقات البينية بين الأردنيين.

نصف الأردنيين (48%) يريدون الهجرة، أي أعلى من دول "قوس الأزمات" (لبنان 38%، العراق 35%، ليبيا 20%، السودان 46%) ومصر (13%) وموريتانيا (18%).

* * *

"الأردن ليس بخير"، عبارة ترددت على ألسنة كثيرين خلال السنوات القليلة الفائتة، وتحولت أكثر من مرة إلى "هاشتاغ" و"ترند" بلغة فرسان السوشيال ميديا..

استطلاعات الرأي العام الأردني، التي تصدرها جهات عدة بانتظام، تدلل بدورها على أن "الأردنيين ليسوا بخير" كذلك، إذ تُبرز النتائج المتقاربة للاستطلاعات المتعاقبة للمراكز الثلاثة جملة من الظواهر المقلقة التي تتسلل إلى عمق البنية الفكرية والنفسية للمجتمع، وتضرب بقسوة منظومة العلاقات البينية التي تربط الأردنيين بمؤسساتهم، وبعضهم بالبعض الآخر.

قبل عشرة أسابيع (23 أبريل) كتبت في هذه الزاوية مقالة حملت عنوان "ثلثان معطَّلان لا ثلث واحد"، تلمست بعض أوجه الخلل كما تكشفت عنها دراسة استطلاعية لمركز الدراسات الاستراتيجية، وقبل أن يخرج علينا الباروميتر العربي مؤخراً بنتائج دراسة عن الرغبة بهجر الأوطان في رحلة ذات اتجاه واحد.. المعهد الجمهوري، الذي يجري بدوره مسوحات دورية، خرج بنتائج مماثلة لا تتعدى الفوارق بينها وبين الدراسات الأخرى هامش ”المسموح به“ في استطلاعات الرأي عموماً.

نصف الأردنيين (48 بالمئة) يريدون هجر بلادهم، وهي نسبة أعلى من مثيلاتها في دول "قوس الأزمات" (لبنان 38 بالمئة، العراق 35 بالمئة، ليبيا 20 بالمئة، السودان 46 بالمئة)، فيما تتدنى النسب في مصر (13 بالمئة وموريتانيا 18 بالمئة)..

حتى فلسطين الرازحة تحت نير احتلال بغيض ممتد لثلاثة أرباع القرن، والتي يحذر الأردنيون عادة من خطر هجرة وترانسفير جماعي لأهلها، جاءت نسبة الراغبين بالهجرة نصف ما هي عليه في الأردن (25 بالمئة)، رغم القتل والتشريد وتهديم المنازل والحصار والعقوبات الجماعية.

هذه نتيجة مروعة في بلد يفاخر بالأمن والأمان، ويخرج مسؤولوه صبحاً ومساء بتصريحات تذكّر الأردنيين بـ"النِعم" التي يتمتعون بها، فيما جوارهم القريب والبعيد يكتوي بنيران الحروب والصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية، والفقر والجوع والعوز..

قائمة الراغبين بالهجرة عن أوطانهم يتصدرها الأردن، وهي من بين قوائم ومؤشرات قليلة على أية حال التي يتصدرها.

الشباب (18 – 29 سنة) هم الأكثر ميلاً للهجرة (63 بالمئة)، أكثر من نصفهم (56 بالمئة) من الجامعيين، رغم التركيز غير المسبوق في الخطاب الأردني على أهمية هذه الشريحة والحاجة لتمكينها وإدماجها في الاقتصاد والسياسة..

دوافع غالبية الشباب العظمى اقتصادية (93 بالمئة)، برغم وعود الرفاه وبرامج الإصلاح الاقتصادي واستراتيجيات النمو والتحديث..

مواصلة التعليم ليست حافزاً لهجرة الشباب سوى لستة بالمئة منهم، أما الحالة الأمنية في البلاد فلا تُقلق أكثر من واحدٍ بالمئة.. إذن، الاقتصاد أولاً، ولكنه ليس أخيراً.

ثمة دول تعاني "جوائح اقتصادية" تطال أساسيات الحياة في البلاد، ولا ينعم سكانها بالكهرباء إلا لسويعات قليلة، والماء النظيف يبدو حلماً بعيد المنال، فيما الفلتان الأمني وفوضى السلاح والأخطار المحدقة بالحياة تكاد تطاول الجميع من دون استثناء، ومع ذلك فإن نسباً أقل من أبنائها وبناتها يفكرون في ترك البلاد في رحلة ذهاب بلا عودة.

"الاقتصاد"، على أهميته، لا يمكن أن يكون سبباً في حفز نحو نصف الأردنيين لترك بلادهم، إذ لولا تضافر هذا العامل بعوامل أخرى، لا تقل أهمية أبداً، لما تشكلت الظاهرة وتفاقمت..

هنا، نعود لمقالتنا السابقة، والمتصلة أساساً بفقدان الأردنيين لرأس مالهم الاجتماعي، وهي بالمناسبة نتيجة خرجت بها دراسة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني مؤخرا، وحذرت من مخاطرها، ولفتت إلى ضعف اهتمام الحكومات بها باعتبارها شرطاً مسبقاً لإنجاز النمو والتنمية.

حين يفقد ثلثا الأردنيين الثقة بمعظم مؤسسات دولتهم (باستثناء الجيش والمؤسسة الأمنية)، وحين تنهار ثقتهم بأحزابهم وبرلمانهم وصحافتهم وإعلامهم ونخبهم، وحين تُبدي النسبة ذاتها انعدام ثقة بجيرانها وأصدقائها وأقاربها، وحين تحجم نسبة 70 بالمئة عن المشاركة في الانتخابات العامة، وتبدي النسبة ذاته عزوفاً عن متابعة الشأن العام والانخراط فيه، فإن الأردن ليس بخير، والأردنيين ليسوا بخير.

ولا أدري كم "ناقوس خطر" يتعين أن يُقرع، وكم جهة يتعين عليها الإسهام في "قرعه"، حتى تستيقظ الدولة بمؤسساتها المختلفة، وفي مقدمها الحكومة، على الانتباه لما يقلق الناس، ولا يبقيهم في الأرض.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني/ فلسطيني

المصدر | facebook.com/o.rantawi