الأربعاء 10 أغسطس 2022 12:24 م

أودى العدوان الإسرائيلي الأخير ضد قطاع غزة بحياة 45 مدنيًا فلسطينيًا من بينهم 15 طفلاً، وتسبب في انقطاع كلي للكهرباء وتدمير العشرات من المنازل والمباني. ويعد الهجوم جزءًا من السياسة الإسرائيلية المعروفة بـ"قص العشب"، وهو مصطلح يشير إلى تقليل القدرات العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية كل فترة.

وبدأت إسرائيل العدوان في 5 أغسطس/آب الجاري من خلال اغتيال "تيسير الجعبري" أحد قادة "حركة الجهاد الإسلامي" الفلسطينية، ثم أعلنت أن أهدافها هي تدمير القدرات العسكرية للحركة، لكن تتوارى خلف هذه الادعاءات انتهازية سياسية واعتبارات انتخابية داخلية.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن هذه الجولة من العدوان هي جزء من محاولة إسرائيلية لزرع خلافات بين فصائل المقاومة الفلسطينية.

وكما هو معتاد، مرت الحملة دون أي اعتراض أو انتقاد دولي جدي، وتم تمويهها بذكاء من خلال ما يسمى جهود الوساطة التي تقودها مصر لتحقيق وقف لإطلاق النار.

مناورات انتخابية

إن السيناريو المتكرر باستخدام غزة وشعبها المحاصر كبطاقات على طاولة السياسة والانتخابات الإسرائيلية هو فضيحة في حد ذاتها، كما أن استمرار العالم في التسامح معها فضيحة كذلك.

إذا كانت الحكومة الإسرائيلية أو رئيس الوزراء يخشون الانتخابات المقبلة، فإن الخيار المختصر لتعزيز موقفهم في نظر الناخبين هو مهاجمة غزة. والذريعة هي ادعاء جاهز بحماية أمن الإسرائيليين وضرب "المنظمات الإرهابية".

وبغض النظر عن مقدار الدم الفلسطيني الذي سُفك وعدد الأشخاص الأبرياء الذين قتلوا وجرحوا وحجم التدمير الذي يحدث، فإن نفس الأسلوب يستمر. وفي هذا العدوان الأخير، أدار العالم ظهره لغزة، مع التركيز بدلاً من ذلك على حرب روسيا وأوكرانيا.

وكان نظام القبة الحديدية المضاد للصواريخ فعالًا للغاية، وربما كانت هذه العملية الصغيرة التي تقتصر على حركة "الجهاد الإسلامي" جزءًا من تدريب على التكنولوجيا المحدثة المضافة إلى أنظمة القبة. ويشير اسم الهجوم "عملية الفجر الصادق" إلى الشيء الوحيد الذي تأمل حكومة ائتلاف "بينيت" و"لابيد" إلى تأمينه؛ وهو "فجر" جديد في السلطة. بخلاف ذلك، لم يكن هناك أي فجر لأي شيء آخر.

وضمن الاستراتيجية الأوسع، يحاول الجنرالات الإسرائيليون تقسيم جبهة المقاومة الفلسطينية منذ عملية "الحزام الأسود" على غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حين استهدف الإسرائيليون حركة "الجهاد الإسلامي" فقط، ووضعوا "حماس" التي تحكم غزة فعليًا، في وضع محرج.

موقف "حماس"

من وجهة نظرها، تريد "حماس" تجنيب الفلسطينيين في غزة ما قد تعتبره مواجهة غير ضرورية. كانت إسرائيل تأمل أن تقوم "حماس" بالضغط على حركة "الجهاد الإسلامي" حتى لا ترد على الهجمات الإسرائيلية وألا تستمع لها حركة "الجهاد الإسلامي" وتصر على المشاركة؛ وكانت إسرائيل تأمل أن يخلق ذلك الفجوة المستهدفة والصدامات المحتملة. لكن ما حدث على الأرض لم يتطابق مع التوقعات الإسرائيلية.

أعطت "حماس" الضوء الأخضر لحركة "الجهاد الإسلامي" كي تشارك، ويبدو أنها قدمت المساعدة والخدمات اللوجستية، مع عدم فك الارتباط "رسميًا" (تقوم مجموعات المقاومة في شريط غزة بتنسيق عملها من خلال ما يعرف باسم غرفة العمليات المشتركة)، وحافظ قادة "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي" على إشارة مشتركة في بياناتهما بأن الغرفة تقود المقاومة في هذه الجولة من القتال كما فعلت في الجولات السابقة.

وعبرت الحركتان عن وعيهما الكامل بالهدف الإسرائيلي بغرس إسفين بينهما، وتعهدتا بإحباطه. ويعتقد العديد من المراقبين في غزة أن مستوى التنسيق العسكري قد تعمق في الواقع خلال هذه الجولة من القتال، وامتدح قائد حركة "الجهاد" "زياد نخلة" حركة "حماس" في مؤتمر صحفي بعد إعلان وقف إطلاق النار في وقت متأخر من 7 أغسطس/آب الجاري، قائلاً إنها تمثل "العمود الفقري للمقاومة في قطاع غزة".

وللرد على استراتيجية التفريق الإسرائيلية، أطلقت حركة "الجهاد الإسلامي" على المعركة اسم "عملية وحدة الجبهات"، وتم اختيار هذا الاسم للتأكيد على العلاقة بين المقاومة في غزة وأشكال المقاومة الأخرى في مدن مثل جنين ونابلس في الضفة الغربية.

وبرزت الجهود المبذولة لتوحيد فصائل المقاومة عبر فلسطين خلال معركة "سيف القدس" العام الماضي، عندما انضمت "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي" إلى صفوف الدفاع عن القدس. وفي العام التالي، اشتعلت روح المقاومة عبر كافة أنحاء فلسطين التاريخية، بما في ذلك داخل الخط الأخضر. وأدت هذه المشاعر الجماعية إلى قلق كبير في إسرائيل.

وساطة مصر

يرتبط الجانب الآخر الشائع للهجمات الإسرائيلية على غزة بوساطة مصر. فقد أعرب العديد من الفلسطينيين عن غضبهم مما اعتبروه آلية للخداع، وليس الوساطة، فبينما كانت مصر تعطي انطباعًا بأن العمل جار لتجنب التصعيد، خططت إسرائيل لاغتيال "الجعبري" ونفذت ذلك.

وقبل الاغتيال، اعتقلت إسرائيل "بسام السعدي"، وهو قيادي آخر من حركة "الجهاد الإسلامي" من معسكر جنين للاجئين، وهددت الحركة بأنها ستطلق الصواريخ على المدن الإسرائيلية المجاورة لشريط غزة إذا لم يتم إطلاق سراح "السعدي".

وتلاعبت إسرائيل بالوساطة المصرية واستغلتها، وفقًا لما يراه النقاد الفلسطينيون، لمنع حركة "الجهاد الإسلامي" من أخذ زمام المبادرة، ولشراء الوقت الذي تحتاجه إسرائيل لتنظيم ضربتها.

ونظرًا لعدم وجود انتقاد رسمي من القاهرة رداً على الخداع الإسرائيلي، فقد أثيرت أسئلة حول ما إذا كانت إسرائيل أبلغت مصر بشأن ضربتها المخطط لها أم لا.

وتبدو مصر مثل مسكّن أثناء وبعد كل حرب إسرائيلية على قطاع غزة. وفي ضوء الفوائد الضئيلة التي يكتسبها الفلسطينيون من دبلوماسية مصر، يبدو أن نوايا القاهرة الحقيقية تكمن في مكان آخر.

وترفض مصر تزويد قطاع غزة بالكهرباء، ما يتركها تحت رحمة إسرائيل. ويأتي الوقود الذي تحتاجه غزة من إسرائيل بسعر مرتفع وفي الوقت الذي تريده إسرائيل وبكميات متغيرة وفق سياسات إسرائيل المتعلقة بالضغط والحصار.

اختناق هادئ

انتهكت إسرائيل اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة التي توسطت فيها مصر، كما كسرت اتفاقيات تحرير الأسرى التي كانت مصر ضامنة لها، دون رد فعل مصري.

ومع افتقار حكومة "عبدالفتاح السيسي" للنفوذ والدور الإقليميين، فإنها تتمسك بما تسميه "وساطة" باعتبارها الوسيلة الوحيدة الظاهرة للمشاركة في الدبلوماسية الإقليمية، وتمنع القاهرة الدول الأخرى مثل الأردن أو تركيا أو قطر من التدخل الذي ربما يكون أكثر فعالية.

ولا تهتم الحكومة المصرية بمصير مليوني فلسطيني، ناهيك عن مقاومتهم، بقدر ما تهتم بإظهار نفسها كلاعب إقليمي ذي أهمية، خاصة أمام الولايات المتحدة.

وكانت نهاية هذا الاعتداء الوحشي ضد قطاع غزة موضع ترحيب كبير، خاصة أن الناس العاديين يعانون بشدة. ولكن للأسف، لن تكون هذه الحرب الأخيرة على غزة والفلسطينيين، فما زالت إسرائيل تتبنى استراتيجية "قص العشب" التي يدفع فاتورتها الفلسطينيون في كل مكان.

وتضمن المعادلة الإسرائيلية المتمثلة في "التهدئة مقابل التهدئة" استمرار الاحتلال والبؤس والفقر والظروف اللاإنسانية في غزة. ويعني ذلك العودة إلى الاختناق الهادئ لمليوني شخص، دون أن يكون أمامهم سوى خيارين فقط: إما الموت بصوت عال في الحرب، أو الموت بصمت تحت الحصار.

المصدر | خالد الحروب | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد